فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 232

الشرع وراء ظهره، و خالفه صراحة، في أمر معروف من دين الإسلام بالضرورة! فلماذا هذا التدليس و التغليط، و الازدواجية في الخطاب؟!.

و رابعا إنه كما أن زعم ابن رشد بأزلية العالم و أبديته لم يصح شرعا، فإنه لم يصح علما أيضا بدليل الشواهد الآتية: أولها إن العلم الحديث أثبت أن العالم ليس أزليا، و له بداية قُدرت ب: 13 مليار سنة، و أنه ستكون له نهاية حتمية [1] . و ثانيها إن ابن رشد كان قد زعم أن العالم العلوي أزلي لا يفسد و لا يتحلل في الجسم و لا في الحركة. و هذا زعم باطل، لأن الأبحاث العلمية الحديثة أثبتت أن العالم يسير إلى الانهيار و الفناء، و أن الشمس -مثلا- في طريقها إلى الزوال بسبب ما تفقده من طاقتها تدريجيا. و أن النجوم في حالة ميلاد و فناء من القديم إلى يومنا هذا، و لها آجال مُحددة تُولد فيها و تموت كالآدميين. و تبين من الحسابات العلمية أن الأرض عند تكوّنها كان يومها يُساوي 4 ساعات، و هو اليوم يُساوي 24 ساعة، بسبب تباطؤ سرعتها المحورية [2] .

و الشاهد الثالث مفاده أن ابن رشد ادعى أن العالم العلوي يختلف في مادة تكوينه عن العالم السفلي، فالأول مُكوّن من عنصر الأثير، له خصائص الجوهر السماوي الأزلي. و أما الثاني -أي العالم السفلي- فمُكوّن من العناصر الأرضية الأربعة المعروفة، و هي: الماء، و النار، و التراب، و الهواء، و هي أزلية أيضا. و زعمه هذا باطل شرعا و علما. فأما شرعا فإن الله تعالى نص صراحة في القرآن الكريم، على أن العالم بأسره خُلق من مادة واحدة، في قوله تعالى: (( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ) )- سورة الأنبياء: 30 - . و أما علما فقد تبين حديثا أنه يُوجد تشابه كبير بين مكونات العالمين العلوي و السفلي، لأن العالم بأسره أصل مادته واحدة، حسب نظرية الانفجار العظيم. فالشمس مثلا، من مكوناتها: غازا الهيدروجين و الهليوم، يمثل فيهيا الأول 3/ 4 من كتلتها. و هذان الغازان موجودان في الغلاف الغازي للأرض [3] .

و الشاهد الرابع -و هو الأخير- مفاده أن ابن رشد أدعى أن الزمان أزلي بناء على أزلية المادة و الحركة، و هذا زعم لا يصح شرعا و لا علما. فأما شرعا فبما أن الله تعالى نص على أن العالم مخلوق، فبالضرورة أن ما ترتب عن هذا الخلق من مادة و زمان و حركة و مكان، يكون مخلوقا أيضا. و أما علما فإن الأبحاث العلمية الحديثة دلت على أن العالم مخلوق، له بداية زمانية مُحددة

(1) دافيد برجاميني: الكون، دار الترجمة، بيروت، ص: 98. و منصور حسب النبي: الزمان بين العلم و القرآن، ص: 108، 122.

(2) الكون، ص: 50، 91، 98. و آن تري هوايت: النجوم، ترجمة إسماعيل حقي، ط 7، دار المعارف، مصر، 1992، ص: 20، 21. و روبرت أغروس و جورج ستانسيو: العلم في منظوره الجديد، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، ص: 9، 60، 61. و منصور حسب النبي: نفس المرجع، ص: 89، 100.

(3) منصور حسب النبي: نفس المرجع، ص: 108. و الكون، ص: 13، 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت