فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 232

حدثت عند حدوث الانفجار العظيم، فبدأت لحظة الصفر التي هي لحظة بداية الكون بمادته و زمانه و مكانه علما بأن الزمان هو افتراض ذهني لا وجود له -فيزيائيا- قبل الخلق [1] .

و خامسا إن إنكاره على القائلين بالخلق من عدم -أي من لا شيء -،و قوله بأن ذلك إذا تُؤمل بالحقيقة فهو ليس من شريعة المسلمين، و لا يقوم عليه برهان. فهو قول لا يصح شرعا و لا عقلا و لا علما. فأما شرعا فإننا إذا تأملنا النصوص الشرعية تبين منها أنها نصت على وجود نوعين من الخلق، هما: الخلق من مادة سابقن , الخلق من لا شيء، و هذا أمر سبق أن بيناه و وثقناه.

و أما عقلا فإن تبريراته التي ذكرها في كتابه تلخيص ما بعد الطبيعة [2] ما هي إلا ظنون و تخمينات بناها على مُقدمات ظنية وهمية، لا تصمد أمام العقل الصريح، و لا النقل الصحيح، و لا العلم الصحيح. فالعقل مثلا لا يمنع الخلق من عدم بالنسبة للخالق عز وجل، فهو-أي العقل- إذا حكم باستحالة الإنسان أن يُوجد شيئا من لا شيء، أو أن يُظهر شيئا من عدم؛ فإنه لا يُحيل ذلك في حق الله تعالى، لأنه هو الخالق، و كيف يكون خالقا، و لا يستطيع أن يخلق من شيء و من غير شيء؟!، فالمخلوق هو الذي يعجز عن الخلق، و أما الخالق فلا يُعجزه شيء، فهو يخلق من شيء، و من غير شيء. لذا قال سبحانه و تعالى: (( أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) )- سورة النحل: 17 - .

و أما علما فإن فكرة الخلق من عدم-أي من لاشيء- أصبحت لها مكانتها في علم الفيزياء الحديثة، و عنها يقول الفيزيائي منصور حسب النبي: (( و ياليتها من نتيجة مذهلة يتحدث عنها علماء الفيزياء الآن، بعدما كانوا قديما يقولون: إن المادة و الطاقة لا تفنى و لا تُستحدث، و هذا صحيح طبعا في طور التسخير-أي بعد الخلق-، أما في طور الخلق الإلهي فهناك قانونان، أحدهما: كن فيكون من جهة، و الخلق من عدم من جهة أخرى ) ).و الخلق من عدم لا يحتاج مطلقا إلى زمن سابق لأن الزمان هنا هو افتراض ذهني لا وجود له فيزيائيا عند بداية الخلق، و هو ما يُسمى في الفيزياء الحديثة بأنه (( قفزة كمية في الزمكان دون حاجة لمادة أو طاقة ) ) [3] .

و قال أيضا: إنه يجب التمييز بين الخلق من عدم بلا زمن، و الخلق بالأمر الإلهي المُسخر بقوانين ثابتة، و هو الخلق من مادة سابقة , و الخلق الأول لا يتم إلا ب: كن فيكون، و لا يحتاج لزمان و لا لمادة، و لا لطاقة. فهو خلق من لا شيء في لا زمن، و عندما يُوجد هذا النوع من الخلق يصبح خاضعا للنوع الثاني من الخلق الذي هو في طور التسخير الخاضع -في المكان و الزمان- لمقادير محددة

(1) منصور حسب النبي: نفس المرجع، ص: 89، 119، 120، 121، 126. و محمود فهمي زيدان: من نظريات العلم المعاصر إلى المواقف الفلسفية، دار النهضة العربية، بيروت، 1982، ص: 117. و العلم في منظوره الجديد، ص: 9، 21، 60، 61، 46.

(2) أنظر مثلا ص: 50.

(3) منصور حسب النبي: المرجع السابق، ص: 123، 124، 126.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت