ثابتة يدرسها العلماء. و قال الفيزيائي ستيفن هوكنج: (( إن لحظة الانفجار العظيم لا تخضع لقوانيننا العادية الفيزيائية، لأنها تُوحي لنا بالخلق من عدم ) ) [1] .
و بناء على ما ذكرناه، فمن الذي قوله ليس من شريعة المسلمين و لا برهان عليه، أهم القائلون بإمكانية الخلق من عدم -أي من لا شيء-، أم هم المنكرون للخلق من عدم القائلون بأزلية العالم و أبديته كابن رشد و أصحابه؟!. إنه زعم ابن رشد و أصحابه هو الذي ليس من شريعة الإسلام، و لا سند صحيح له من العقل و لا من العلم.
و إتماما لهذا الموضوع أُشير هنا إلى آراء بعض الباحثين المعاصرين في موقفهم من قول ابن رشد بأزلية العالم و ما يتصل به، أذكر منهم أربعة، أولهم الباحث محمد عمارة، إنه يرى أن أخذ ابن رشد بالتصوّر المادي للطبيعة في قوله بأزليتها و تأويله للشرع، فيه تمثلت عبقريته، و برزت القيمة الكبرى لإضافته الإبداعية التي أوصلته إلى إيجاد أرضية مشتركة بين المادية و المثالية [2] .
و قوله هذا لا يصح، و فيه مبالغات لا مبرر لها، بدليل الشواهد الآتية: أولها إنه سبق أن أقمنا الدليل الشرعي و العقلي و العلمي على بطلان موقف ابن رشد في قوله بأزلية العالم و ما يتصل به. و تبين أيضا أنه -أي ابن رشد- مارس التأويل التحريفي في تعامله مع النصوص الشرعية، مارسه تأويلا و إغفالا بطريقة انتقائية موجهة للانتصار لمذهبيته الأرسطية القائلة بأزلية العالم. فهل عمل كهذا يُسمى عبقرية و إبداعا؟!.
و الشاهد الثاني مفاده أن القول بأزلية العالم و الإقرار بالخالق ليس جديدا، و لا أبدعه ابن رشد، الذي هو على طريقة سلفه أرسطو و أصحابه المشائين، فأية إضافة إبداعية أضافها بعبقريته المزعزمة؟!. و الشاهد الثالث مفاده أن ابن رشد أخطأ في محاولته التأويلية التحريفية في تعامله مع النصوص الشرعية و انتصاره للأرسطية، فخالف الشرع و العقل و العلم في قوله بأزلية العالم. و من هذا حاله لا يصح وصف ما قام به بأنه عمل عبقري و إبداعي، و إضافة لها قيمة كبرى.
و الشاهد الأخير - و هو الرابع-، مفاده أن طريقة ابن رشد في ربط العلاقة بين القول بأزلية الطبيعة و الإقرار بالخالق القائمة على الحركة التي يُحركها عشقها لمعشوقها، و الذي هو علة غائية للعالم، هي طريقة ضعيفة جدا جدا، و لا تستحق أن تُسمى عبقرية و لا إبداعا، و لا تصلح أن تكون أرضية مشتركة بين المادية و المثالية. لأن طريقته خالف بها الشرع و العلم، و لا تقوم على أساس عقلي صحيح، و إنما قامت على مقدمات ظنية وهمية، و لم تقم على أساس اللزوم و الضرورة المنطقية بين الله و العالم. لأن القول بأزلية العالم و أبديته و طبيعته الإلهية المتمثلة في العقول المفارقة، تجعل العلاقة بينه و بين الله تعالى ليست ضرورية، و يمكن الاستغناء عنها. لأنه بما أن العالم أزلي و
(1) نفس المرجع، ص: 128.
(2) محمد عمارة: المادية و المثالية، ص: 61.