عقوله خالدة أزلية ذات طبيعة إلهية، و لها تصرّف في العالم، فيمكننا أن نقول: إن ذلك العالم كان في مقدوره أن يستغني عن ذلك المعشوق الذي حركه بعشقه له، لأنه يتصف بصفات إلهية تجعله ليس في حاجة إلى تلك الحركة المزعومة. فالعلاقة بينهما علاقة ظنية وهمية لا علاقة ضرورة و لزوم.
و هذا خلاف ما إذا قلنا بما يقوله الشرع و العقل الصريح و العلم الصحيح، من أن العالم مخلوق بعد أن لم يكن، حيث تصبح العلاقة بين الله و العالم علاقة ضرورة و تلازم، لأنه لا مخلوق دون خالق، فبما أن المخلوق موجود فالخالق موجود بالضرورة، لأنه لا بد للمخلوق من خالق أزلي خلقه. هذا هو منطق الشرع و العقل و العلم، و هذه هي العبقرية و الإبداع، اللذان يقومان على إلهيات الشرع التي تجمع بين المادية و المثالية بالطريقة الصحيحة. و أما تحريفات و تلفيقات ابن رشد و أصحابه، فهي ليست من العبقرية و لا من الإبداع في شيء.
و أما ثاني هؤلاء الباحثين فهي زينب الخضيري، إنها ترى أن قول ابن رشد بالخلق المستمر -أي دوام الفاعلية- مكنه تماما من حل (( مشكلة قدم أو حدوث العالم، فالخلق مستمر منذ الأزل و إلى الأبد. فالعالم قديم زمانا و إن كانت له علة خالقة هو الله، الذي لا يكف عن الخلق، فالعالم قديم دائم ) ).و هو قد حل أيضا مشكلة علاقة الهيولى-المادة الأولى- بالمحرك الأول-أي الله-، فمع قوله بقدمها موافقا لأرسطو، فإنه جعلها في نفس الوقت مخلوقة، و بهذا يكون قد حافظ على سلامة العقيدة. و قالت أيضا: (( إن العقل وحده لا يستطيع القطع أبدا بأحد الرأيين: هل العالم قديم أم حادث؟ ... لأن القولين يتطلبان منا في الحالين الخروج من الزمان، و بالتالي تحقيق المستحيل ) )، فالاستدلال العقلي لا يستطيع إثبات أحد الرأيين [1] .
و ردا عليها أقول: أولا إن ما ذكرته الباحثة في قولها الأول، هو مرتبط بدوام الفاعلية، المعروف بحوادث لا أول لها، و قد سبق أن ناقشنا هذه المسألة، و تبين خطأ ابن رشد فيها، مما يعني أنه لم يقدم حلا، و إنما طرح مشكلة عجز عن حلها، و خاض - من خلالها - في أمور غيبية لا يمكنه البت النهائي فيها إلا عن طريق الوحي. و هذا لم يفعله ابن رشد -مع وجود الوحي بين يديه-، فلو عاد إليه و اتخذه منطلقا له في هذه المسألة، لوجده ينص على خلاف ما ذهب إليه.
و الحل الذي أدعت أن ابن رشد قدمه ليس حلا جديدا، فهو رأي قديم قال به الدهريون المؤمنون به و المنكرون له على حد سواء. و قوله بالأزلية هو قول دهري، يصدق عليه قوله تعالى: (( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) )- سورة الجاثية: 24 - ،و رد عليهم ردا مُفحما عندما نص على أن قولهم ليس لهم فيه علم و لا برهان، و إنما أقاموه على الظن، الذي لا يغني من الحق شيئا، الذي قال فيه سبحانه و
(1) زينب محمد الخضيري: أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى، ص: 235، 238، 239.