تعالى: (( وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ) )- سورة يونس: 36 - .
و بناء على ذلك لا يصح أن يُقال: إن ابن رشد حل مشكلة القدم و الحدوث، لأننا نعلم أن رأيه القائل بأزلية العالم و دوام الفاعلية، هو رأي لا يصح شرعا و لا علما، و هذا أمر سبق أن أثبتناه و وثقناه. و من هذا موقفه لا يصح أبدا القول بأنه حل مشكلة الحدوث و القدم، و إنما هو ساهم في تعقيد المشكلة انطلاقا من خلفيته المذهبية الأرسطية. علما بأن القول بأزلية العالم هي المشكلة، و ليس القول بحدوثه و خلقه هو المشكلة، و إنما القول بخلقه هو الحل الموافق للشرع و العقل و العلم.
و ثانيا إن قولها: إن ابن رشد حل مشكلة علاقة الهيولى بالمحرك الأول. هو قول لا يصح، لأن ابن رشد قال برأي أرسطو في أزلية العالم بما فيه مادة الأرض -الهيولى الأولى-،و وافقه أيضا على أن عملية التكوّن الفساد على الأرض هي أزلية أيضا، و إنما الفساد يلحق الأفراد لا أنواع الكائنات [1] .و هذه المزاعم كلها باطلة شرعا و علما، سبق أن بينا بطلانها. و عليه فلا يصح القول أبدا الزعم بأن ابن رشد حافظ على سلامة العقيدة!!، و إنما هو خالفها و جنى عليها، عندما قال بأزلية العالم و أبديته.
و أما قولها الأخير بأن العقل لا يستطيع القطع أبدا بحدوث العالم أو بأزليته، فهو حكم قطعي لا يصح إصداره عقلا، لأنه لا يُوجد مانع عقلي ينص على أن العقل وحده لا يستطيع القطع أبدا بأحد الرأيين إلا بالخروج من الزمان. فهو حكم ليس لازما من لوازم العقل، و لا ضرورة من ضروراته. فلا يُوجد أي مانع عقلي من أن يبدأ العقل بالتأمل و البحث و الاستنتاج ليصل إلى الترجيح ثم إلى اليقين في أمر حدوث العالم من دون أن يخرج من الزمان، مما يعني أن الأمر ممكن و ليس مستحيلا. و يُؤكد ذلك أن الله تعالى أمر الإنسان بالسير في الأرض و النظر و البحث فيها ليصل إلى معرفة كيفية بداية الخلق، في قوله سبحانه: (( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) )- سورة العنكبوت: 20 - ، فلو كانت معرفة بداية خلق العالم و حدوثه مستحيلة ما أمر بها الله تعالى عباده بالسير في الأرض لمعرفتها، و بما أنه أمر بها فهي ممكنة و ميسرة لمن اتبع المنهج العلمي الصحيح. و هذا أمر قد تحقق فعلا في العصر الحديث عندما اتبع الإنسان المنهج العلمي الصحيح الذي أمر به الله تعالى، فأصبح من الثابت علميا أن الكون له بداية و له نهاية، و ليس أزليا و لا أبديا كما ادعى ابن رشد و أصحابه.
(1) سبق توثيق ذلك، و أنظر أيضا: زينب عفيفي: فلسفة ابن رشد ال
طبيعية، ص: 138. و الموسوعة الفلسفية، ص: 46.