فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 232

و أما الباحث الثالث فهو محمد عابد الجابري، فقد ذكر أن ابن رشد في تناوله لمسألة حدوث العالم تعامل مع (( فكر أرسطو كما هو متحررا من الإشكالات التي يطرحها اللاهوت المسيحي و علم الكلام الأشعري، ... فقد تطرق إلى المسألة -و هو يشرح أرسطو- من موقع الباحث المحايد المتحلي بالموضوعية و الأمانة العلمية ) ). ثم أورد قولا لابن رشد يقول فيه: (( و نحن نقول في ذلك بحسب قوتنا و استطاعتنا، و بحسب المقدمات و الأصول التي تقررت لدينا من مذهب هذا الرجل-أي أرسطو- الذي وجدنا مذهبه كما يقول الأسكندر الأفروديسي أقل المذاهب شكوكا، و أشدها مُطابقة للواقع، و أكثرها موافقة له و ملاءمة، و أبعدها عن التناقض ) ) [1] ,

و قوله هذا غير صحيح في معظمه، لأن ابن رشد إذا كان مُتحررا من اللاهوت المسيحي و الكلام الأشعري، فإنه كان مُقيدا بالأرسطية و لم يكن مُتحررا من أغلالها، و كان منتصرا لها و مدافعا عنها، و مُتعصبا لها، و لم يكن منتقدا لها على كثرة مُخالفتها للشرع و العقل و العلم [2] . فرجل هذا حاله لا يصح القول بأنه كان مُحايدا، فهو لا يختلف عن أي باحث مُتعصب ينتصر لمذهبه بحق و بغير حق.

و أما قوله بأنه كان مُتحليا بالموضوعية و الأمانة العلمية، فهذا لا يصدق عليه في كل أحواله، و لا في كل المسائل التي خاض فيها. فقد تبين بالأدلة الدامغة أنه كان مزدوج الشخصية و الخطاب، و مارس التأويل التحريفي في تعامله مع النصوص الشرعية، و كثيرا ما كان مُدلسا مُغالطا في مؤلفاته العامة الموجهة لجمهور المسلمين، فقرر فيها أمورا خالفها صراحة في كتبه الفلسفية. فهل رجل هذا حاله يُقال: إنه كان متحليا بالموضوعية و الأمانة العلمية؟!.

و أما آخرهم فهو الباحث محمود فهمي زيدان، إنه يرى أن نُصوص ابن رشد في قدم العالم أو حدوثه مُحيرة، لأنه يمكن تفسير موقفه بأنه نصير القِدم بأدلة مُشتقة من أراء أرسطو، و يقول في (( نفس الوقت أن الله علة وجود العالم، و صانعه و خالقه و مُبدعه، بل يستدل على القِدم من بعض الآيات القرآنية ليقول ليس بالقرآن نص على أن العالم خُلق من عدم محض ) ).و لكن يمكن تفسير نصوصه على أنه مُتردد بين القدم و الحدوث، علما بأن الانطلاق من التسليم بما (( ورد في الكتب المقدسة من أن الله خالق الكون، هو أساس تصوّر حدوث العالم، فإذا لم نبدأ هذه البداية فحجة القِدم أقوى من حجة الحدوث ) ).و أما الفلاسفة الذين (( لم تنزل في أرضهم أديان سماوية، أو لم يُؤمنوا بها، فتصوّر القِدم هو الراسخ، و لا ينشأ الحدوث على الإطلاق. و أساس القول بالقدم عند أنصار القدم هو اعتقادهم بالمبدأ: لا شيء يُوجد من لا شيء. و أن هذا الشيء لن يكون الله، لأنهم لم يتصوّروا خلق إله لا مادي لعالم مادي من ذاته ) ) [3]

(1) الجابري: ابن رشد، ص: 170.

(2) ذكرنا نماذج كثيرة من ذلك، و سنذكر نماذج أخرى كثيرة في الفصول الآتية إن شاء الله تعالى.

(3) محمود فهمي زيدان: المرجع السابق ن ص: 132، 135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت