و أقول: نعم إن نصوص ابن رشد ظاهرها مُتناقض في موقفه من مسألة حدوث العالم أو أزليته، لكن حقيقة أمره أنه لم يكن متناقضا و لا مترددا، لأنه كان يتعمد الازدواجية في الخطاب في المسائل الفلسفية الأرسطية المُخالفة للشرع، فكان ينطلق في نظرته إليها من خلفيته الأرسطية، فما وافقها من الشرع قبله، و ما خالفها منه أوّله، أو أغفله و أهمله. ففي كتبه العامة يُظهر موقفه من الشرع و تأويله له، و قد يُظهر أيضا موقفه الفلسفي بطريقة أو أخرى. لكنه في كتبه الفلسفية يُصرّح بموقفه الفلسفي الأرسطي المُخالف للشرع صراحة من دون لف و لا دوران، و بلا تأويل للشرع، بل و من دون ذكر له أصلا، و كأن الأمر عادي للغاية، و قد مار س ذلك في كتابيه تلخيص ما بعد الطبيعة، و تلخيص السماء و العالم، و هذا أمر سبق إثباته و توثيقه، كموقفه من الصفات و أزلية العالم.
و أما قوله بأن حُجج قِدم العالم أقوى من حجج حدوثه، فهذا لا نوافقه عليه، و العكس هو الصحيح بفارق كبير بين الحجتين. و الحَكَمُ هنا ليس ما قاله فلاسفة اليونان و لا غيرهم، و إنما العقل الفطري الطبيعي البريء من الانحرافات الفكرية. و ذلك أن القول بقِدم العالم و أزليته يقوم أساسا على ظنون و توهمات غيبية، هي رجم بالغيب، و قول بلا علم؛ قامت على مقدمات ظنية لمحاولة معرفة أصل العالم أهو مخلوق أم أزلي؟. و القائلون بالقدم هم الدهريون الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: (( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) )-سورة الجاثية: 24 - . فالله تعالى حكى زعمهم و انتقدهم في مستندهم العقلي بأنه لا يقوم على العلم، و إنما أقاموه على الظن، و الظن لا يُغني من الحق شيئا.
و أما القول بحدوث العالم فهو خلاف ذلك، فحجته أقوى بكثير من حجة القائلين بأزليته. و حججه تستند إلى الملموس و الاستنتاج العلمي الصحيح الذي لا تتخلله ظنون و توهمات، و الدليل على ذلك الشواهد الآتية: أولها إن الإنسان إذا نظر في ذاته نظرة علمية دقيقة فاحصة تبيّن له أنه مخلوق ضعيف، له بداية و له نهاية. و هذا يصدق على كل الكائنات الحية التي نراها على الأرض. و أما الزعم -بما قاله المشاؤون- بأزلية الأنواع فهو مجرد ظن لا دليل على صحته، عكس مسألة خلق الإنسان كفرد فهي مسألة محسومة لا شك فيها.
و الشاهد الثاني مفاده أن مظاهر الطبيعة تشهد على أنها مُسخرة لخدمة الإنسان، و قائمة على قانون العلية، الذي يقوم الافتقار. فلكل معلول علة، و لكل علة معلول، و هكذا دواليك. مما يعني أن العالم بأسره مُفتقر إلى خالق خلقه.
و الشاهد الثالث مفاده أنه بما أن العالم السفلي مشهود بأن كائناته مخلوقة زائلة لها بداية و نهاية، فلماذا لا يكون كل العالم على هذه الحالة؟. بمعنى أنه يكون مخلوقا زائلا مُفتقرا إلى غيره، خاصة