فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 232

و نحن نرى العالم مُسخّر يسير وفق نظام مُحكم. فإذا كان هذا الإنسان العاقل المريد مخلوقا، فمن باب أولى أن تكون الجمادات و المخلوقات الأخرى هي أيضا مخلوقة.

و الدليل القاطع على صحة ما قلناه أمران: أولهما أن الشرع الحكيم أكد على ما قلناه في آيات كثيرة جدا، تكلّمت عن الفطرة، و تسخير العالم للإنسان. و ثانيهما أن العلم الحديث هو أيضا أثبت بأدلة كثيرة على أن العالم حادث مخلوق منذ أكثر من 13 مليار سنة، و هو سائر إلى الزوال.

لكن القائلين بقدم العالم ليس لهم إلا الشبهات المخالفة للشرع و العلم و العقل الفطري الصريح. و موقفهم ما هو إلا رجم بالغيب، و هروب من الواقع المحسوس، و تعلق بالظنون و الأوهام، و من هذا حالهم لا يصح أن يُقال: إن حجتهم في القدم أقوى من حجة القائلين بالحدوث.

و أما ذكره لمبدأ: لا شيء يُوجد من لا شيء، فقد سبق أن تطرّقنا إليه عندما تناولنا موضوع الخلق من عدم، و بيّنا تهافته شرعا و عقلا و علما، و أنه لا يقوم على أساس علمي صحيح، و إنما يقوم على ظنون و شبهات و تخمينات لا تغني من الحق شيئا.

و قبل إنهاء مبحثنا هذا أُشير هنا إلى أن ابن رشد كان ظاهر التناقض في موقفه من خلق العالم و أزليته، بدليل الشواهد الآتية: أولها إنه قرر طريقة القرآن الكريم في خلق العالم في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة، و ذكر أن العالم مخلوق مُخترع مفعول لله تعالى. لكنه خالف ذلك في كتابيه تلخيص ما بعد الطبيعة، و تلخيص السماء و العالم، عندما قال: إن العالم أزلي أبدي. فهذا تناقض صارخ وقع فيه ابن رشد!، فهو إما أنه ذكر ما قاله القرآن من باب العرض و التقرير و الوصف لمِا جاء في القرآن، و لم يقله اعتقادا و إيمانا بذلك. و إما أنه كان يقصد بالخلق و الفعل و الاختراع المعنى الأرسطي الذي يعني إخراج ما بالقوة إلى الفعل، و لم يكن يقصد المعنى الشرعي للخلق. و إما أنه كان يعتقد الأمرين معا، و هذا وارد و هو الصحيح، لأنه يتفق مع قوله بأزلية العالم و أبديته. فهذه محاولة لتفسير تناقضه الذي ينطوي على التدليس و التغليط و التضليل للقراء.

و الشاهد الثاني مفاده أن ابن رشد قال: إن الفلاسفة قالوا بأن الله أخرج العالم من العدم إلى الوجود. لكنه قال أيضا: إن الفلاسفة لا يقولون بالخلق من عدم، و يُخالفون الأشاعرة في قولهم بذلك، ثم انتصر للفلاسفة و اشتد في نقد الأشاعرة [1] . و قوله هذا ظاهر التناقض على طريقته المزدوجة الخطاب، فكان عليه أن يُحدد مقصوده بدقة و وضوح، من دون غموض و لا تدليس، لكنه لم يفعل ذلك و سار على طريقته التأويلية التحريفية الأرسطية في معنى العدم. فالعدم الذي أثبته للفلاسفة المقصود به إخراج ما بالقوة إلى الفعل، الذي يعني إيجاد شيء من شيء. و أما العدم الذي نفاه عنهم فهو إيجاد شيء من لا شيء. لكنه لم يُفرق بين المفهومين، مما جعل كلامه ظاهر التناقض، يتضمن تدليسا و تغليطا و تضليلا للقراء.

(1) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 126، 127، 259.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت