فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 232

التخمين دون الاحتكام إلى التجربة مع سهولتها. حتى أنه لم يكلف نفسه فتح فم زوجته أو خادمته ليتأكد من عدد أسنان المرأة بالنسبة للرجل!!. فأين حكاية برهانية فلسفة أرسطو و يقينيتها؟!.

تلك الشواهد و الأمثلة- التي ذكرناها -كان الهدف منها الرد على ابن رشد في زعمه برهانية الفلسفة الأرسطية و يقينيتها. و هي من باب التمثيل لا الحصر، و إلا فالأمثلة على نقض دعواه كثيرة جدا في مؤلفات أرسطو، فاكتفينا بالذي ذكرناه. حتى أنه قيل عن قسم من مصنفاته (( إن مؤلفات أرسطو في البيولوجيا غريبة، فهي خليط مُشوّه من الشائعات و الأقاويل، و الملاحظات الناقصة، و التفكير بالتمني و السذاجة، و سرعة التصديق ) ) [1] .

و في ختام بحثنا هذا أُشير هنا إلى ثلاثة أمور هامة، أولها إن دعوى ابن رشد بأن الفلسفة الأرسطية و المشائية برهانية في إلهياتها و طبيعياتها، و أنها اكتملت في عصره حتى أصبح من الممكن تعليمها بطريقة برهانية كما تُعلّم الرياضيات [2] ، هي دعوى باطلة شرعا و عقلا و علما، و مُثيرة للضحك و الاستغراب معا.

و ثانيها إن شيخ الإسلام ابن تيمية يُعد من أوائل أهل العلم الذين تصدوا لنقد المنهج الفكري لدى ابن رشد و أصحابه، و بيّن أن دعوى برهانية فلسفتهم هي دعوى كاذبة، و أن كلامهم في الإلهيات قليل الفائدة، و كثير منه بلا حجة [3] .

و الأمر الأخير -أي الثالث- مفاده أن الباحث محمد عابد الجابري قال: إن ابن رشد في ردوده على المتكلمين كان ينطلق من (( فلسفة أرسطو التي كان يُعتقد أنها علمية برهانية في ذلك الزمان ) ) [4] . وقوله هذا ينطوي على تبرير لأخطاء ابن رشد، و تغليط للقراء، فأما التبرير فهو غير مقبول، لأنه سبق أن بينا-بأمثلة كثيرة جدا- أن ابن رشد خالف النقل الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح، في مواضيع كثيرة جدا، لم يعتمد فيها أساسا على البرهان و اليقين، و إنما اعتمد أساسا على الظن و التخمين، و الترجيح و الاحتمال، و على التعصب لمذهبيته الأرسطية. و أخطاء هذه أسبابها لا يصح تبريرها بدعوى أن فلسفة أرسطو كان يُعتقد أنها برهانية، زمن ابن رشد. لأن سببها ليس أنها برهانية، و إنما سببها تعصب ابن رشد و سلبيته تجاه أرسطو، و انحراف منهجه العلمي الاستدلالي و النقدي، و إغفاله للشرع و جعله وراء ظهره، لأن هواه كان مع سلفه أرسطو و فلسفته، و لم يكن مع دين الإسلام و ما يفرضه عليه.

(1) نفس المرجع، ص: 61.

(2) الجابري: ابن رشد، ص: 118.

(3) ابن تيمية: درء التعارض، ج 9 ص: 123، 399.

(4) ابن رشد: الكشف، مدخل المحقق ص: 74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت