و يُلاحظ على ابن رشد الطبيب أنه أغفل الشرع في هذه المسألة و لم يستفد منه، و قرر ما يُخالفه، لأن في قوله تعالى: (( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ) )-سورة النساء: 56 - إشارة واضحة إلى أن الجلد هو آلة الحِس و الإحساس وليس اللحم و لا غيره من أعضاء الجسم المادية. فلماذا أغفل ذلك؟، لا ندري أنسيها، أم تناسها لأنها تخالف موقفه الأرسطي من تلك المسألة؟، فلو استخدم تلك الإشارة القرآنية و انتقد بها أرسطو و أصحابه، لكان عملا رائعا في طريق نقد الفلسفة الأرسطية من منطلق شرعي، و طرح البديل الإسلامي من جهة، و السعي لأسلمة جوانب من تلك الفلسفة من جهة أخرى. لكنه لم يفعل ذلك، و حرَم نفسه و قراءه من نور الإسلام، لأنه كان شارحا لأرسطو و متعصبا له، و لم يكن ناقدا إسلاميا حرا حاملا للمشروع الإسلامي الفكري.
و المثال التاسع مفاده أن أرسطو زعم أن المرأة معدومة الذكاء، ليس في استطاعتها أن تعرف شيئا عن طبيعتها، لأن عقلها (( لا يستوعب هذه الدراسة، و ليس لها قدرة على تحمل المسائل النظرية أو فهمها ) )، لذا استبعدها أرسطو من ميدان الثقافة و السياسة، و الحياة الفكرية عامة [1] .
و زعمه هذا غير صحيح، مُخالف لشواهد التاريخ و الواقع، أقامه على الظن و التخمين و خلفياته الفلسفية و الاجتماعية التي كان يعيش فيها، و لم يُقمه على أساس من البحث العلمي القائم على الاستقراء و الموضوعية و البرهان. و نحن لا ندخل معه في نقاش نظري، و إنما نكتفي بذكر شواهد دامغة تُثبت خطأه و تهافت دعوي ابن رشد برهانية الفلسفة الأرسطية. من ذلك أن القرآن الكريم ذكر لنا نماذج من نساء مؤمنات على درجة عالية من الإيمان و الحزم و النضج الفكري، كمريم و بلقيس، و امرأة فرعون. و قد كانت عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- عالمة متضلعة في علوم الشريعة و اللغة، حتى أنها فاقت بعلمها و رجاحة عقلها كثيرا من الرجال، و هذا أمر ثابت عنها لا يحتاج إلى توثيق. و أما الواقع الذي نعيشه فهو شاهد بقوة على أن المرأة حققت انتصارات كثيرة، و أثبتت جدارتها في علوم جمة.
و آخرها - و هو المثال العاشر- مفاده أن الباحث إمام عبد الفتاح إمام ذكر ان أرسطو-في كتابه تاريخ الحيوان- قال: إن للنساء أسنانا أقل من أسنان الرجال. فسخِر منه الفيلسوف المعاصر برتراند راسل بقوله: (( إن أرسطو لم يكن من الممكن أن يرتكب أبدا مثل هذا الخطأ لو أنه طلب من زوجته أن تفتح فمها لحظة واحدة ) ) [2] . و خطأه هذا هو من أغرب الأخطاء التي وقع فيها أرسطو التي لا مبرر مقبول لها. فالرجل يتكلم بلا تثبت و لا دليل و لا برهان، مما يُشير إلى ضعف نزعة التجريب عنده، التي لم تكن أساسية عنده، فكان كثيرا ما يسمح لنفسه أن يعتمد على الظن و
(1) إمام عبد الفتاح إمام: أرسطو و المرأة، ط 2، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1996، ص: 59، 63. و أحمد فؤاد كامل: ما بعد الطبيعة عند ابن رشد، ضمن كتاب أعمال ندوة ابن رشد، ص: 234، 235.
(2) أرسطو و المرأة، ص: 61.