فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 232

فإن الأمر بالنسبة للمني عند الرجل مُغاير لذلك تماما، لأن المني ليس فضلة، و إنما هو ماء الحياة مُكوّن من حيوانات منوية مُستعدة للإخصاب عندما تخرج من الرجل و تدخل رحم المرأة،. فخروج مني الرجل ليستقر في رحم المرأة ليس فضلة، و إنما هو سبب بقاء الجنس البشري على وجه الأرض. و خروجه من الرجل ليس مُبررا لتسميته فضلة، فهو يختلف تماما عن الفضلات التي تخرج من الإنسان، كالعرق و البول و دم الحيض. فالمني يخرج من الإنسان ليس لأنه فضلة، و إنما يخرج ليُؤدي وظيفة التناسل، فالخروج في حقه ضروري لا بد منه.

و المثال الرابع مفاده أن أرسطو زعم أن (( فخذي و ساقي الإنسان كثيرة اللحم، و أما سائر الحيوان ففخذاه و ساقاه عادمة اللحم ) ) [1] .و قوله عن الحيوان غير صحيح تماما، لأن أفخاذ الكباش، و الأبقار، و الفيلة، و الدجاج مثلا، مليئة باللحم و ليست معدومة اللحم!!. فهذا من أغرب الأخطاء التي وقع فيها أرسطو، و التي لا يصح الوقوع فيها أبدا. فلعله نسي أو سها، أو هو من أخطاء النساخ.

و المثال الخامس مفاده أن أرسطو قال عن الحية: (( فإنها مما يُظن أنه ليس لها عنق، بل عضو آخر ملائم للعنق. و ذاك لأن ليس هذا العضو محدودا بأطراف معروفة ) ) [2] . واضح من كلامه أنه لم يعتمد على برهان و لا مشاهدة حقيقية، و إنما اعتمد على الظن و النظرة السطحية العامة. و هو قد أخطأ فيما ذهب إليه، لأن الثعابين لها عمود فقري مُكوّن من فقرات كثيرة، ابتداء من الرأس إلى نهاية الذنب. و بعضها ظاهر العنق، و بعضها الآخر غير واضح. فمن النوع الأول: حية القرناء، لها عنق واضح يفصل الرأس عن بنية الجسم. و منها أيضا حية الكوبرا المصرية، لها عنق واضح تبسطه عندما تتحفّز لمهاجمة فريستها. و كذلك ثُعبان الأزورد المصري، له عنق واضح من الخارج، يفصل الرأس عن بقية الجسم [3] . و هو -أي أرسطو- قد قصّر كثيرا في موقفه هذا، فاكتفى بالظن و لم يُكلف نفسه التحقق من ذلك، فهذا ليس من البرهان و لا من اليقين في شيء. و قد كان في مقدوره التأكد من ذلك بنفسه أو بسؤال المختصين.

و المثال السادس مفاده أن أرسطو قال: إن للنعامة ظلفين [4] كالحيوان الذي له (( أربع أرجل، لأنه ليس له أصابع بل أظلاف، و علة ذلك من قِبَل أن عَظَم جسده لا يُشبه عظم طير، بل يُشبه عظم حيوان له أربع أرجل ) ) [5] . و قوله هذا غير صحيح، لأن النعامة لها أصبعان في قدمها، و ليس لها ظلفان كما ذكر أرسطو. و هما أصبعان قويان و مناسبان للجري و حمل جسم النعامة الكبير [6] . الأمر الذي يعني أن أرسطو كان يسمع بالنعامة و لم يراها، و لا سأل العارفين بها، لأنه لو رآها أو سأل المختصين ما أخطأ في ذلك. فكيف سمح لنفسه أن يتكلم عنها في كتابه طبائع الحيوان من دون أن يراها، و لا تأكد مما قاله عنها، مكتفيا بالظن و التخمين؟!. فأين برهانية فلسفته المزعومة؟.

و المثال السابع مفاده أن أرسطو زعم أن (( جميع و سائر الحيوان يُحرك فكه الأسفل ما خلا التمساح النهري، فإنه يُحرك الفك الأعلى. و عِلة ذلك من قِبَل أن رجليه ليست بموافقة لأخذ و إمساك شيء من الأشياء، لأنها صِغار جدا، فهيأ الطباع فم هذا الحيوان موافقا لهذه الأعمال بدل الرجلين ... ) ) [7] . و قوله هذا عَلّقت عليه الباحثة عزة محمد سالم بقولها: (( ذاع و اشتهر ذلك الخطأ الأرسطي أن كل حيوان يُحرك فكه الأسفل إلا التمساح. و قد نقل العرب هذا الخطأ و امتلأت به مؤلفاتهم النحوية و الفلسفية و العلمية. و الظاهر أن أرسطو لم ير تمساحا حيا في حياته ) ) [8] . فكيف سمح لنفسه بأن يتكلم في أمر لم يره و لا تأكد منه؟!. فأين برهانية فلسفته و يقينيتها؟!.

و المثال الثامن مفاده أن أرسطو يرى أن اللحم خُصَّ بحاسة اللمس الموصوفة بالاعتدال. و قد وافقه ابن رشد على ذلك، و نصّ على أن اللحم هو الآلة الأولى للحِس. و المبدأ الأول للحِس و سائر الأفعال هو القلب، ثم منه إلى الدماغ [9] .

و قولهما هذا غير صحيح، و لا برهان لهما فيه و لا يقين، و ما هو إلا ظن و تخمين، و احتمال و ترجيح. و الصحيح هو أن الجلد -المكوّن من الأوعية الدموية و الأعصاب الحسية - هو الذي يقوم بحاسة اللمس لا اللحم، و هو-أي الجلد- العضو المُخصص لها بجميع درجاته، من لمس خفيف إلى ضغط، و وخز مُؤلم [10] .

و الحِس الموجود في الجلد هو الذي ينقل آثار المنبهات الخارجية إلى الدماغ، فتتحول إلى إحساسات شعورية، فالدماغ هو مركز الحس و الحركة و الإدراك [11] ،و ليس القلب على رأي ابن رشد. و قد كان الطبيب جالينوس (ت 200 م) قد قال بأن الدماغ هو مركز الإحساسات كلها، لكن ابن رشد خالفه و انتصر لرأي أرسطو [12] .

(1) نفس المصدر، ص: 131.

(2) نفس المصدر، ص: 153.

(3) محمد رشاد الطوبي: (( فمنهم من يمشي على بطنه ) )، دار المعارف، مصر، دت، ص: 24، 79، 86، 88، 89، 91.

(4) الظلف هو الظُفر المشقوق للبقرة و الشاة و الظبي، و ما شاكلها من الحيوانات المجترة. علي بن هادية: القاموس الجديد، ص: 627.

(5) أرسطو: المصدر السابق، ص: 193.

(6) الموسوعة العربية الميسرة، ج 2 ص: 1840.

(7) أرسطو: طبائع الحيوان، ص: 194 - 159.

(8) نفسه، تعليق المحققة عزة محمد سالم، هامش ص: 150.

(9) ابن رشد: رسائل ابن رشد الطبية، ص: 106، 347، 353.

(10) الموسوعة العربية الميسرة، ج 1 ص: 637.

(11) نفس المصدر، ج 1 ص: 801.

(12) ابن رشد: رسالة النفس، ص: 18. و زينب عفيفي: فلسفة ابن رشد الطبيعية، ص: 218، 219.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت