فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 232

و الشاهد الثاني ادعى فيه ابن رشد أن أرسطو تبيّن له أن العناصر الأربعة المكوّنة للموجودات الأرضية هي أجسام بسيطة غير مركبة، و هي: التراب، و الهواء، و الماء، و النار، و هي تختلف عن العنصر الخامس المكوّن للأجسام السماوية. و يرى ابن رشد أن القول بعنصر واحد فقط لا يُؤدي إلى تفسير عملية التكوّن و الفساد، و تحولات العناصر بسبب تأثير بعضها في بعض [1] . و قوله هذا غير صحيح شرعا و لا علما، يُبطله ما قلناه في انتقادنا لابن رشد في الشاهد الأول.

و أما الشاهد الثالث فمفاده أن ابن رشد ذكر أن الكواكب فيها الثابت و المتحرك، و منها الأرضي الذي هو من الثوابت. ثم زعم أن أرسطو أبطل القول بأن الأرض متحرّكة، و بيّن أنها ثابتة بالطبع، و أعطى سبب سكونها. و بذلك انحل الشك الذي كان القدماء تحيّروا فيه، و امضوا ا'عمارهم في طلبه [2] .

و قوله هذا غير صحيح تماما، و هو من سوء حظ ابن رشد الذي افتخر بأن أرسطو أقام الأدلة على بطلان رأي القائلين بحركة الأرض، و أثبت سكونها!!. فقد أصبح من الثابت علميا، و من حقائق العلم المعروفة، أن الكواكب و الأجرام السماوية الأخرى كلها مُتحرّكة بما فيها كوكب الأرض [3] .

و يُلاحظ على ابن رشد أنه أغفل الآيات القرآنية التي فيها إشارات على حركة الأرض و الأجسام السماوية عامة من جهة، و لم يستعن بها في نقد موقف أرسطو من جهة أخرى. فحرم نفسه و قراءه من الاستفادة من كتاب الله تعالى، و ساير أرسطو في خطئه. و من تلك الآيات قوله تعالى: (( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ) )- سورة الزمر: 5 - ، و (( لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) )- سورة يس: 40 - ،و (( وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ) )- سورة النمل: 88 - ، و (( وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) )- سورة الذاريات: 47 - ، فهذه الآيات نصت صراحة على حركة الشمس و القمر و فيها إشارات تدل على حركة الأرض بالتصريح و التضمن، فلو استعان بها ابن رشد لكان له فضل كبير في نقد الفكر الفلسفي و تقويمه، و تقديم البديل الشرعي له، لكن الرجل - و للأسف- ترك كتاب الله وراء ظهره، و أقبل على الأرسطية، لأن هواه كان مع أرسطو و طبيعياته!!.

(1) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 160، 161. و الآثار العلوية، ص: 15. و زينب عفيفي: فلسفة ابن رشد الطبيعية، ص: 112، 114. و محمود فهمي زيدان: المرجع السابق، ص: 14، 15.

(2) ابن رشد: تلخيص السماء و العالم، ص: 268، 272. و الآثار العلوية، حققه حمال الدين العلوي، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1994، ص: 18.

(3) عبد الحميد سماحة: المرجع السابق، ص: 25. و آن تري هوايت: النجوم، ص: 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت