الصفحة 10 من 54

لا يُتعبه حفظ هذا الملك العريض بعكس مُلوك الدُّنيا الذي يُرهق الواحد منهم حفظ دولة أو دويلة صغيرة. الشَّاهد أنَّ الله الملِك الحقّ له في كلِّ لحظةٍ محوٌ جديدٌ وإثباتٌ جديد .. في كلِّ شيءٍ .. بعلم وحكمة بالغتين وكأنَّه يقول لنا: أنا في كلِّ لحظةٍ أرسل بالرَّسائل إلى خلقي وأصُكُّ المراسيم الملكيَّة ومن يتأمَّل في الأختام يجدها تتبدَّل في كلِّ لحظة من شكل إلى شكل ومن صورة إلى أخرى لأنوع لكم في قدرتي على الخلق وقدرتي على الملك هي رسالة: أنا الملِك لا ملِك سواي .. أنا الملِك الحقّ أفعل في مُلكي ما أشاء فأين مُلوك الدُّنيا؟

لنا بتأمُّلاتنا في موسم الرَّبيع والصَّيف من زيادةٍ ملحوظةٍ في نموِّ الأشجار والأزهار واخضرار المراعي وكثرة الحشائش والأعشاب حتَّى تُصبح الأرض مُروجًا خضراء ثمَّ يمحوها الله ليأتي فَصْلَا الخريف والشِّتاء فتتساقط الأزهار والأوراق الشَّجريَّة وتُبدَّل الأرض غير الأرض لَحكمة عظيمة! إذ أنَّ نباتات الرَّبيع المتشابكة وحشيشها وأشجاره لو تُركت هكذا على الدَّوام دون محو لامتلأ الغلاف الجوِّيّ بغاز الأكسجين ولزادت نسبته عن 21 % ممَّا يتعذَّر معه تنفُّس الأحياء ومن بينها النَّبات نفسه الذي أنتجه .. ولما انطفأ أيّ حريق على ظهر الأرض ولاختلَّت نُظُم الحياة البيولوجيَّة والمائيَّة في البرِّ والبحر والجوِّ. فكان المحو مطلبًا طبيعيًَّا يقتضيه الحال على سطح الأرض حتَّى يتمّ بعد هذا المحو استهلاك الأكسجين الزَّائد عن نسبته المعتدلة وحتَّى يتسنَّى للأرض أن تستفيد من بقايا النَّباتات المتحلِّلة عن نباتات الرَّبيع وحتَّى تجد الكائنات الدَّقيقة ما تأكله طوال موسمي الخريف والشِّتاء فمحو هذا هو عين حياة ذاك والعكس. أيضًا تكون السَّماوات (النُّجوم وأبراجها وما شابه) المواجهة للأرض في الرَّبيع غير التي تواجهها في الخريف والشِّتاء .. لذا فكلِّ مجموعة نجميَّة دور رئيسيّ في محو أو إثبات نباتات بعينها في أزمنة منتظمة بعينها (وهذا معنى تُبدَّل الأرض في الرَّبيع والصَّيف غير الأرض وبمثله في الخريف والشِّتاء) فسُبحان من جعل للنُّجوم ومنازل القمر دورًا لم يُعرف إلا مؤخرًا في تشجيع الإزهار وإتمامه أو محوه تمامًا. قال الله {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الجاثية: 13

والإزهار هو أهمّ عمليَّة للنَّبات؛ لأنَّه فيه تتكوَّن البذور والثِّمار التي تعطي قيُّوميَّة واستمراريَّة للنَّوع. فدوران الأرض حول نفسها أمام الشَّمس جعلها تُغيِّر من مُواجهة أبراج نجميَّة بعينها فتتحوَّل نباتات الرَّبيع تلقائيًّا بمساعدة أشعة النُّجوم التي تبدو لنا خافتة إلى نباتات مُثمرة فتتوقَّف جينات النُّمو عن زيادة طول النَّبات أو عمره وتتوقَّف معها عمليَّات الأيض الإيجابيَّة لتتحوَّل إلى عمليَّات سلبيَّة تجفِّف الأوراق وتُكلِّس الأشجار وتُسقط الأزهار والثِّمار وينتهي النَّبات حتَّى يأتي الدَّور على تلك البذور في موعدها المحدَّد مع أبراجها الخاصَّة لتنمو من جديد بإذن الملِك بمرسومٍ جديد مختومٍ بخاتم الملِك الإلهي. قال الله {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} الزمر: 21 بذا تكون دقَّة المحو والإثبات هي عين الحكمة فليس المحو لذات المحو ولكنَّه هو عين الحياة والإثبات هو عين الحياة .. لأنَّ حكمة الإنسان تقتضي استمرار الأزهار الملوَّنة المبهجة وروائحها العطريَّة الممتازة في الرَّبيع، فلو أنَّ الأمر بيد الإنسان لأبقاها طوال العام وهو لا يعلم أنَّ في ذلك هلكته وبني جنسه ومن في الأرض جميعًا ـ ولو عقل الإنسان لعلم أنَّه لو أثبت الدُّنيا ما دخل الجنَّة ـ أمَّا حكمة الله اقتضت المحو من أجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت