ممَّا سبق يظهر لنا أنَّ أدلَّة وحدانيَّة الله الملِك بعدد ذرَّات الكون كلِّه في المستوى الدَّقيق وبعدد أصناف الأحياء كمًا ونوعًا على المستوى العام ليكون كلٌّ منها شاهدًا مُستقلًا على حدة على وحدانيَّة الله جلَّ وعلا. ويكون لسان حال كلِّ نبات: أنا مصنوع الواحد في هذا الشَّكل .. ولسان حال نبات من صنفٍ آخر: أنا مصنوع الله في هذا الشَّكل .. وبمثل ذلك كلُّ صنف من الأحياء على الأرض. وتأمَّل في كون الحرف الذي كتب به مخطوط الكون المشاهد هو بعينه خاتم الملِك، وهو بعينه دليل وحدانيَّته وأيضًا دليل عزَّته لأنَّ الذي يتوصَّل إلى وحدانيَّة الله بالتَّأمُّل في ما لا يراه لشدَّة صغره فلأن يصل إلى إثبات الوحدانيَّة بما هو أكبر أولى وأولى لذا فالله له عزَّة عجيبة لا تُضاهيها عزَّة. وكأنَّها رسالة تأنيب إلى جنس الإنسان المتغطرس الذي أعرض عنه ونئا بجانبه تقول له: يا عبد الله رغم أنفك إن لم تقرّ وتسجد طوعًا فما أنت في هذه المخلوقات التي تشهد وتسجد؟ أنت لا شيء. وعصيانك لن يغيَّر من القضيَّة شيئًا فلكأنِّي بك يا إنسان تحصيل حاصل ووجودك في الكون كعدمه فالكلُّ يشهد بالوحدانيَّة من الذَّرَّة إلى المجرَّة والملائكة يشهدون وما لا تعلم من الخلائق فما تكبُّرك إلا دليل حماقتك وجهلك فتأمَّل في نفسك وفي خلقك وفي معجزات جسمك وحياتك وأنت بهذه الرَّوعة وهذا الجمال وفي الوقت ذاته لا قيمة لك .. ما أحقرك .. ما أهونك .. ولنفسك ما أظلمك .. وقد شهدت ذرَّات جسمك وسبَّحت رغم أنفك {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} الإسراء: 44
قلنا من قبل لو أنّ هُناك إلهًا أهدى لله هديَّة فإنَّها لا تنفك إمَّا مصنوعة من خامات بناء السَّماوات والأرض أو أنَّها من صُنع الإله الجديد وحيثما لم يقم الإله الجديد بإثبات خلقه شيئًا جديدًا كان هذا مِعوَل هدم يهدم به عرش ألوهيَّته المزعومة فلا إله إلا الله .. إخبار من الله .. وشهادة من الملائكة .. وشهادة من أولي العلم .. فضلًا عن شهادة الكون بكلِّ ما فيه أنَّه لا إله إلا الله وعليه فالله ما كان أبدًا ليقبل هديَّة من أيِّ أحد لأن معنى ذلك إثبات إله آخر غيره وهذا محال ثمَّ هذا اتِّهامٌ لله أنَّه محتاج للهديَّة خاصَّة وأنَّها مصنوعة من أجزاء ممَّا خلق ... كيف يقبل الله هديَّة مهما كان شكلها وحجمها وقيمتها وله مُلك السَّماوات والأرض وعنده خزائن السَّماوات والأرض؟! .. سُبحان الله إنَّ هذا شيءٌ عُجاب! ولعلَّ هذا هو سِرُّ عدم قبول فدية من الكافر لينجو بها من النَّار ولو كانت ملء الأرض ذهبًا .. فليست علَّة عدم قبول الفداء أنَّ الكافر عصى الله ولم يؤمن أو أنَّه أشرك معه غيره أو أنَّه تمرَّد عليه وحاربه وانتقص من قدره .. لا بل إنَّ السِّرَّ في رفض قبول ملء الأرض ذهبًا وهو الفرض المستحيل أصلًا؛ لأنَّه يستحيل لبشر كائنًا من كان أن يملك الأرض فضلًا عن أن تتحوًّل كلُّها لكوكب من الذَّهب ثمَّ إن هو تخلَّص عن حبِّه للذَّهب وفتنة الذَّهب وافتدى به لن يُقبل منه .. السِّرُّ أنَّ هذا الكوكب مِلك لله وحده .. يملكه الله بما فيه من ذهب بل ويملك الكافر نفسه فأنَّى له الفداء .. أيعطيه جُزءًا من ملكه ليفدي نفسه من النَّار .. هذا محال عقلًا .. هب أن جماعة اختطفوا رجلًا وطالبوه بفدية حتَّى لا يقتلوه أيعقل أن يأتيهم بالفدية من مالهم هم ويُقدِّمها لهم؟ .. طبعا لا .. كذلك لا يُعقل بحال أن يقبلوا الفدية من أموالهم .. فإذا كان هذا مع البشر فكيف بالله ولله المثل الأعلى وكأنَّها