لإنبات نبات كأمره لإنبات كلِّ نباتات الأرض إلى قيام السَّاعة لأنَّه أودع فيها سرَّ قدرته وتفرُّده بالخلق والأمر وبمثله الإنسان فهل من مُعتبر.
قيل إنَّه لإخراج كتاب ما يحتاج لقلم واحد إن كان مخطوطًا، وأقلامٍ عديدة بعدد حروفه إن كان مطبوعًا كتلك الحروف المعدنيَّة التي كانت تُستعمل في الطباعة حتَّى فترة وجيزة .. كما قيل إنَّه لو كان هُناك ثمَّة طريقة لكتابة سُورة يس في لفظ (يس) فإن تلك الطَّريقة تستلزم حروفًا معدنيَّة غاية في الدِّقَّة حتَّى تطبع ذلك الَّلفظ. فالكون كذلك يُشبه الكتاب المطبوع ففي كلِّ مخلوقٍ منه مطابع عديدة لا حصر لها وبعدد أجزاء الكون تكمن داخل المظهر الخارجيّ للكون من نبات وحيوان وتراب وماء وغيرهم. وكلُّ حرف في أيِّ كتابٍ كان يُظهر نفسه بمقدار حرف ويدلُّ على وجوده بصورةٍ مُعيَّنةٍ إلا أنَّه يُعرِّف كاتبه بعشر كلمات، ويدلُّ عليه بجوانب عديدة فيقول مثلًا: إنَّ كاتبي خطّه جميل .. وإنَّ قلمه أحمر، وإنَّه كذا وكذا .. ) ومثل ذلك كلُّ حرفٍ من كتاب العالمَ الكبير هذا يدلُّ على ذاته بقدر جرمه (مادَّته) ويُظهر نفسه بمقدار صُورته إلا أنَّه يُعرِّف أسماء البارئ المصوِّر سُبحانه بمقدار قصيدة ويُظهِر تلك الأسماء الحسنى ويُشير إليها ـ بعدد أنواعه ـ شاهدا على مُسمَّاه [1] .ونُوضِّح هذا الكلام فنقول: إنَّ هذا الكلام ينطبقُ بجلاءٍ واضحٍ إذا طبَّقناه مثلًا على النَّبات إذ أنَّ كلَّ خليَّة تحتوي نواة تتركَّز في مادَّتها الوراثيَّة خريطة النَّبات في شكل حروف كيميائيَّة مُشفَّرة (الجينات أو الشَّفرة الوراثيَّة) هي التي يتمُّ قراءتها وطباعتها ليخرج لنا النَّبات على صُورته وليس في صُورة نباتٍ آخر أو حيوان ونستفيد من ذلك بأنَّه لو اعتبرنا النَّبات في مجموعه حرفًا واحدًا في كتاب المملكة النَّباتيَّة فحينئذٍ نقول بأنَّه كحرف يدلُّ على نفسه كنبات (س) الذي له شكل وجرم محدَّد لكنَّه مع سائر نباتات جنسه مثلًا أو مع عدَّة أصناف أخرى في حديقة مُزهرة فإنَّما تدلُّ على أنَّ مُصمِّمها واحدٌ وبارءها واحد لتشابه كلِّ واحدةٍ منها في وجود الخضرة والألوان والسِّيقان فكلُّ نبات إذن حرفٌ مستقل إذا وُضِع بجوار غيره صارت كلمة أو كلمات تصف بارءها بأنَّ قلمه الذي كتبها به يتركب من كروموسومات وجينات وراثيَّة مُشفَّرة تُرجمت وطبعت إلى ما هي عليه. وذلك لأنَّ طريقة عمل تلك المكائن الطَّابعة في كلِّ نبات وفي كلِّ صنف واحدة لا تختلف باختلاف النَّبات. إذن فهي خرجت من مصنعٍ واحد .. وبهذا الكلام نكون قد بعدنا عن تأليه الطَّبيعة وجعلها هي الموجدة للخلائق كما يعتقد من لا عقل له .. لأنَّ مُكوِّنات الطَّبيعة الماء والتُّراب والهواء هي جُزء لا يتجزَّأ من تركيب تلك الأحرف وهذه النَّباتات فلابدَّ إذن أن تكون الطَّبيعة حال خلقها للمادَّة شيئًا آخر قبل المادَّة وينبغي حينئذٍ أن تكون مُنفصلة عنها، لا أن تكون هي نفسها المادَّة وهي نفسها المصنوع .. فالطَّبيعة تتبدَّل في كلِّ وقت ويظهر فيها الحياة والموت أمَّا الإله لا يتبدَّل ولا يموت ولا يتحوَّل كما أنَّه لا يتجزَّأ ولا يتركَّب من أجزاء كالطَّبيعة، وإلا لكان الإله هو المخلوق وحينئذٍ لمن سيكون إلهًا؟ ألنفسه! إذن فهو ليس إله لأنَّه عجز عن خلق شيءٍ منفصل عن نفسه يكون هو إلهًا له، فلمَّا كانت الطَّبيعة كذلك عُلم أنَّها عاجزة عن خلق نفسها وعن خلق غيرها فهي حتَّى تخلق نفسها لابدَّ أن تُوجد قبل نفسها وهذا محال ولو وُجدت قبل نفسها فمن الذي أوجدها؟ ولكن دورها في الحقيقة أنَّه منها فقط تُجمع الأجزاء ليُخلق غيرها ومنها عُلم فساد القول
(1) التَّوحيد الحقيقي لبديع الزَّمان النَُّورسي بشيء ص 69 ـ 71 بشيء من التَّصرُّف.