الصفحة 4 من 54

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله الذي على عرشه استوى، والحمدُ لله فالق الحبِّ والنَّوى، والحمدُ لله القائل (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى علَّمه شديد القوى، وصلاةً وسلامًا على عبده ورسوله الذي لا ينطقُ عن الهوى، والذي به استقام أمر الدِّين واستوى.

أمَّا بعد

إنَّ مُلوك الدُّنيا عندما يكتبون الرَّسائل والمرسومات الملكيَّة لابدَّ وأن يُختم المرسوم الملكيّ بختم الملِك الرَّسمي حتَّى يكون تأكيدًا أنَّه من عند الملِك وأنَّه ليس كلامًا مُلفَّقًا ومنسوبًا إلى الملِك وذلك إمعانًا من الملِك في إقامة الحُجَّة على مَنْ يخالف حُكْمه أو أمره حتَّى لا يُنكِر مرسوم الملِك لذا فقد جعل خاتمه مميَّزًا عن غيره ولا يملكه سواه؛ لأنَّه لا يملك خاتم الملِك إلا الملِك نفسه. فمن يملك الختم يملك الختم به ويملك صكَّ الرَّسائل كيفما شاء لذا كان من تمام عزَّة الله أن منَّ على بعض عباده في الأرض بحمل اسم الملِك فينادَى به ويُمَكَّن له في الأرض من خلال الاسم والصِّفة والتي يتبعها إصدار الأحكام والأوامر والنَّواهي المختومة بخاتم الملِك ونُفصِّل ما أجملنا بقولنا: إنَّ الله جلَّ في عُلاه وهو ملِك الملوك [1] قد صكَّ لنا ملايين الرَّسائل والمرسومات الإلهيَّة في البرِّ والبحر والجوِّ وفي الحيِّ والميِّت وفي الشَّمس والقمر والنُّجوم فضلًا عمَّا في الحجر والشَّجر .. ففي أيٍّ من هذه الرَّسائل رُحت تبحث عن خاتم الملِك لوجدته ولكنَّه ليس خاتمًا واحدًا في نهاية المرسوم كما هو حال أختام ملوك الدُّنيا. لا بل إنَّك تجد الخاتم في كلِّ نقطة من نقاط ذلك المرسوم .. ولا تعجب إن قلت لك بأنَّ النُّقطة الواحدة من مراسيم ملِك الملوك في مثل نقطة نقطت بقلم تحوي عشرة ملايين ختم إلهي لا تراه عيناك! فتِّش عن مرسوم النَّبات تلقى كلَّ ورقة .. كلَّ جذر .. كلَّ ساق .. كلَّ زهرة .. كلَّ حبة .. كلَّ ثمرة بها نفس الختم .. فما هو هذا الخاتم وبم يتميز عن سائر الأختام؟

(1) ثبت عند مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يَطْوِى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ ثُمَّ يَطْوِى الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ». [رواه مسلم كتاب صفة القيامة والجنة والنار رقم 7228] وفي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بَيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ [متفق عليه: اللؤلؤ والمرجان، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: صفة القيامة والجنة والنار 1775] وفي الصحيحين أيضا من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه -، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّموَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلاَئِقِ عَلَى إِصْبَعٍ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ الزمر: 67 [متفق عليه: اللؤلؤ والمرجان، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: صفة القيامة والجنة والنار 1774] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت