الصفحة 9 من 54

الأشياء .. أفرأيتم لو لم يمح الله الدَّيناصورات؟! أفرأيتم لو لم يُثبت وجود المرأة مع الرَّجُل في الأرض؟! أفرأيتم لو محا حركة الأرض حول نفسها وحول الشَّمس؟! أفرأيتم لو لم يمح الحيوانات الميِّتة أولًا بأول؟!

ثمَّة نقطة هامَّة لا ينبغي إغفالها عند حديثنا عن المحو والإثبات .. لأنَّ الله حينما يفعل أيًّا منهما فهو يُخْرِج من علمه المكتوب قُبُلًا في اللوح المحفوظ فهو يُؤخِّر محو شيء حتَّى يأتي أجله ويُثبت كلَّ ما قدَّر ثبوته في اللوح المحفوظ .. فالله لا يفعل شيئًا عبثًا ولم يخلق شيئًا عبثًا وحتَّى فهمنا لطريقة عمل الله في الكون وفهم صفاته وأفعاله وكمالات ذاته هي من باب فعله في محو الغفلة وإثبات سلامة الفهم عنه وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - واقرؤوا إن شئتم قوله تعالى {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} الرعد: 39 فتأمَّلوها وما بعدها حتَّى نهاية السَّورة تجدوا عجبًا لمن وفَّقه الله إليه. أيضًا ما يمحو الله من خلقه سواء في السَّماوات كموت نجم وفناء مجرَّة أو في الأرض كسحق الدَّيناصورات وانقراض العديد من الكائنات .. أأثَّر هذا المحو على استمراريَّة الحياة على الأرض؟! أم أثَّر في استمرار دوران النُّجوم حول مجرَّاتها .. هل وقعت السَّماء لموت نجم؟ هل اندثرت الحياة على الأرض لانقراض حيٍّ ما .. فلقد محا الله قوم نوح - عليه السلام - بعد أن لبث فيهم ألف سنةٍ إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله .. فمحو أمَّة ... نوح - عليه السلام - وغيرها من أمم الأنبياء والمرسلين لم يمنع من دوام حياة البشر .. فدوامها إذن بمحو عدَّة نباتات أو نوع حيواني أولى وأولى ثمَّ إنَّ الله عندما يمحو فيكون ذلك لحكمة لا يُشترط أن يُعلِّمنا إيَّاها. وعندما يُثبت شيئًا فلحكمة مثلها. والله يحكم لا معقِّب لحكمه سُبحانه. إذن فالمحو والإثبات هو من مظاهر قدرة الملِك على التَّصرُّف في مُلكه كيفما شاء فحيثما وجَّهت وجهك وعقلك وقلبك تجد الملِك وتجد خاتمه الدَّالَّ عليه وعلى أحقِّيَّته للملك وأسبقيَّته لذلك.

ما من ملِك من ملوك الدُّنيا إلا وهو مُنشغلٌ على الدَّوام بملكه اللهم خلا ساعات النَّوم والرَّاحة التي يريح بها نفسه من عناء العمل على شئون الحكم والملك من مقابلات مع الرُّؤساء والملوك وافتتاح المشاريع الجديدة أو إصدار القوانين التي يظنُّها تخدم شعبه أو قد تكون في خدمته هو المهمُّ أنَّه يملك تارة ويرتاح تارة لكن السِّمة الغالبة على الملِك أنَّه في كلِّ لحظة في شأنٍ جديد من ترقيات لأُناسٍ وعزل لآخرين .. من سنِّ قوانين ومحو أخرى .. لكن الله عزَّ وجلَّ يختلف كلَّ الاختلاف عن مُلوك الدُّنيا فهو مثلًا لا يغفل ولا ينعس ولا ينام سُبحانه {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} البقرة: 255 فهو حيٌّ ومُلوك الدَُنيا يموتون وهو قيُّوم على الدَّوام ومُلوك الدَُنيا قائمون تارة وغافلون أخرى ولا ينعس ولا ينام وهذا من كمال صفات الملِك الحقّ لكن العجيب أنَّ الله أتبع هذا الكلام بقوله {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ليدلنا على أنَّه إذا كان هو المعبود بحق وهو الملِك الحقّ مالك الملك والملكوت الحيّ الذي لا يموت القيُّوم الذي لا ينعس ولا ينام فهو أيضًا مالك السَّماوات والأرض وما فيهنَّ لم يُعيِّن أحدًا ويُوكِّله بحفظهما وذلك لأنَّه هو مالكهما بما فيهما وهو الذي تكفَّل بحفظهم فكيف يغفل عن أي جُزءٍ في السَّماوات أو في الأرض وهو أيضًا يعلم بكلِّ ما يدور ويجري في مُلكه علويه وسفليه بعكس مُلوك الدُّنيا لا يعلمون شيئًا إلا من الكُتب أو نشرات الأخبار والجرائد والمجلات والصُّحف اليوميَّة أو ممَّا يُبعث إليه من رسائل وما يُقدَّم إليه من تقارير فعلمهم قاصر وعلم الله قديم لا حدَّ له والله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت