الصفحة 13 من 54

ذاته وفي كلِّ لحظة {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الجاثية: 13 الكون كلّه مُسخَّرٌ له وعلى هذا فهو فقير ولا يملك شيئا لذا فقد كرَّمه الله بأن نسب فقره إليه مُباشرةً لا للأسباب السَّابقة.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} فاطر: 15 فلأن يكون فقرك إلى الغنيِّ الذي لا يحتاج لشيء أولى وأولى من فقرك إلى محتاج مثلك فهل عرفت الآن كيف تقرأ القرآن وكيف تخرج بالعبرة؟ لقد خرجنا من الآية {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} النُّور: 44 بكثير من المعاني والفوائد والعبر لا داعي لإعادة ذكرها لذا تعجب أخي عندما تقرأ باقي الآية {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} النُّور: 44 ليس هذا فحسب بل الأعجب من ذلك الآيتان السَّابقتان لها .. اسمع {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} النُّور: 42، 43 فقبل أن يُثير همَّتك للتَّفكُّر في تقلُّب الَّليل والنَّهار وما فيهما من محوٍ وإثبات أثبت ما حوله نُدندن من كونه لا يفعل هذا المحو ولا ذاك الإثبات إلا لكونه مالِك الملك ويفعل في مُلكه ما يشاء فقال بأنَّ له مُلك السَّماوات والأرض وتلاها بمظهرٍ من مظاهر ذلك وهو تأليف ذرَّات السَّحاب وتحويلها من حال لحال حتَّى ينزل الله الغيث والبرَد والذي قرَّر أنَّه لكونه مالِك الملك يُصيبُ به من يشاء ويصرفه عمَّن يشاء وهي آية تتجلَّى فيها مظاهر الملك ومظاهر المحو والإثبات ومظاهر طلاقة القدرة ومظاهر الرَّحمة ومظاهر التَّهديد والتَّخويف بالقوَّة ونفاذ الأمر .. يُصيب ويصرف .. يُثبت ويمحو ثمَّ أخبر بأنَّه يُقلِّب الَّليل والنَّهار أي يجعل الَّليل والنَّهار خِلفة ليعلم النَّاس أنَّ الكلَّ مختومٌ بخاتم الملِك وأنَّه يُصيبه من خاتمه الذي هو علامة تفرُّده بالملك في كلِّ لحظةٍ مرسومًا جديدًا وفي كلِّ سكنة تصله رسالةٌ جديدة مختومة بخاتم الملِك الحقّ مضمونها إمَّا المحو وإمَّا الإثبات.

هُناك رابطٌ عجيبٌ يربط آيات القرآن بعضها ببعض وتتجلَّى تلك الحقيقة في مسألة المحو والإثبات وعلاقتها بتقلُّب الَّليل والنَّهار فإذا أضيف إليهم كون الله له مُلك السَّماوات والأرض سهل استخلاص العبرة والذِّكرى .. فالمقرَّر الآن أنَّ الله له الملك كلُّه وأنَّه يتصرَّف فيه كيفما شاء {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} النُّور: 42 فإذا وضعنا قوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} الفرقان: 62 إلى جوار قوله تعالى {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} النُّور: 44 لخرجنا بتلك العبرة وهي أنَّ الله يقول لك يا إنسان: أنا الملِك لا ملِك سواي وأنا أتصرّف في مُلكي الذي أنت جُزءٌ منه كيفما أشاء فإذا كنت قد صرَّفت بصرك وعقلك لترى كيف هو فعلي وتصريفي في السَّماوات وفي الأرض من حولك من خلال دوران الأفلاك وحركة الشَّمس والأرض والقمر ومن خلال تقليب الَّليل والنَّهار ومن خلال التَّحكم في إنزال المطر ومن خلال تكوين البرق وكلُّ هذا لا يقدر عليه سواي فماذا أنت في هذه الأشياء العظيمة وأنت أقل منها حجمًا وقوة لا تملك لنفسك نفعًا ولا ضرًا كما أنَّ السَّماوات والأرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت