وآياته في الأرض من ناحية. فلو كان المعنى الأوَّل هو الغاية لناقض القرآن الواقع لأنَّه لو واجه نصف الأرض الضَّوء وواجه نصفها الظلام لمات كلا النَّصفين لما سبق بيانه لكن مقصود القرآن أنَّه جعل آية النَّهار مُبصرة أي مرئيَّة مُشاهدة معلوم سببها وحكمتها وهي تطلع بطلوع الشَّمس على منطقة معيَّنة من الأرض وعلى قومٍ ما ثمَّ يأتي الظَّلام فتُمْحَى الآية التي سبَّبت النَّهار وهي آية الشَّمس أي تُزال ظاهريًّا من مكانها لدوران الأرض حول نفسها أمام الشَّمس فيأتي محو آية الَّليل [فما هي آية الَّليل إذن؟] إمَّا إنَّها محو آية النَّهار فيكون محو إحداهما إثبات الأخرى وإمَّا المعنى أنَّ آية الَّليل هي ظُلمة الكون وهي الأصل في الكون وهذا ما أثبته علم الفلك الحديث أنَّ الكون خارج الأرض مُظلم تمامًا والنُّجوم والمجرَّات وسط الظلام تبدو كنقاط لامعة في بحرٍ مُظلمٍ لا يُرى فيه شيء .. قال الله عن الشَّمس {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} الشَّمس: 4 أي يُغطِّيها ويُحيط بها من كلِّ جانب. وقال {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} اللَّيل: 1، 2 أي الَّليل يُغطِّي الكون ويسود والنَّهار يتجلَّى بعد أن لم يكن فهو طارئ ولذا يقول {وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} يس: 37 فيكون الأصل هو محو الضَّوء وضوء الشَّمس المنعكس والمشتَّت بطبقات الغلاف الجوِّيّ ما هو إلا ظاهرة أو شيء طارئ على آية الَّليل التي هي الظلام الأصليّ للكون ومدلول الآية أنَّ الَّليل والنَّهار يتعاقبان وباستمرار على نفس المكان ونفس الأشخاص ليتحقَّق لهم المحو والإثبات كما لغيرهم من البلدان المجاورة وهكذا حتَّى تعمّ الأرض كلّها الآيتين كلَّ لحظة. وسيظلُّ المحو والإثبات ما دامت السَّماوات والأرض حتَّى تقام الحُجَّة على كلِّ الأمم فلا يُقال إنَّها كانت ظاهرة حدثت وانتهت بل هي مُستمرَّة والأختام مُستمرَّة في كلٍ لتتجدَّد الدَّلالة على الملِك الحقّ في كلِّ شيء في كلِّ لحظة.
يُقلِّب الله الَّليل والنَّهار .. ستقول وما الجديد في ذلك؟ لقد قرأنا تلك الآية مرارًا وتكرارًا ونعرف هذا جيِّدًا يذهب الَّليل ليأتي النَّهار والعكس ونقول مهلًا وتعال معي لأعلِّمك كيف تقرأ القرآن من جديد .. اسمع أخي كلام ربِّك {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} النُّور: 44 نعم يُقلِّب الِّليل والنَّهار ومع كلّ قلبة تُطوى صفحة من مخطوط الوجود وتُكتب صفحات جديدة، ففي كلِّ يومٍ تُولد نباتات جديدة وحيوانات جديدة وأناسيَّ جديدة وكأنَّ كلَّ يوم هو سجلٌ قائمٌ بذاته تُكتب فيه أشياء وتُمْحى أخرى فانظر في نفسك يا من تطوى كلَّ ساعة صفحة من صفحات عُمرك ماذا أثبتَّ من طاعاتٍ وماذا محوت من معاصٍ وذنوبٍ؟ ماذا أثبتَّ من توبةٍ وأوبةٍ وماذا محوت من مُنكراتٍ وشهواتٍ وشبهاتٍ؟ وتعال معي وتأمَّل فالأمر لم ينته فأنت يا إنسان محتاج للغذاء والغذاء محتاج لوجود نبات وحيوان وكلاهما محتاج إلى الماء والهواء والتَّراب والضَّوء وهؤلاء بدورهم في حاجةٍ إلى أرضٍ للإنبات وإلى من يُفتِّت لهم الجبال فتستحيل تُرابًا فيكون الجبل محتاجا إلى الماء والماء محتاجًا إلى حرارة الشَّمس كي يتبخر في الغلاف الجوِّيّ وهو بدوره محتاج لذرَّات وجاذبيَّة تمنع الماء من الهروب والإفلات منه والماء محتاج لوسط يجري عليه ليصل للنَّبات والوسط هو الأرض وهي بدورها كي تضمن بقاءها محتاجة للشَّمس لتحفظ توازنها ومدارها وتعاقب ليلها ونهارها وفصولها لكن الشَّمس بدورها محتاجة إلى المجرَّة والمجرَّة محتاجة إلى مجموعة المجرَّات المحلِّيَّة والتي تحتاج هي الأخرى لعنقود المجرَّات العظيم وهلمَّ جرَّا فضلًا عن ضوء النُّجوم والذي يحتاج كي يتكوَّن لتفاعلاتٍ هائلةٍ في قلب النُّجوم تحت ضغط وحرارة لا يتصوَّرها عقل فلكأنِّي بالإنسان محتاج إلى كلِّ هذه الأشياء في الوقت