وَقَدْ كَانَ فِيهَا لَوْ تَأَمَّلْتَ خَطَّهَا = أَلا كُلَّ شَيْءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ [1]
تُشِيرُ بِإثْبَاتِ الصِّفَاتِ لِرَبِّهَا = فَصَامِتُهَا يَهْدِي وَمَنْ هُوَ قَائِلُ
قلنا بأنَّ كلَّ شيءٍ تتأمَّلُ فيه تجد له أو فيه آية دالَّة على الله ولكن بصورة مختلفة في الظاهر لكن جوهرها واحد وحقيقتها واحدة وضربنا مثلا بنباتٍ ما خرجنا من البحث فيه بآيات تلو آيات انتهت إلى ذرَّة الهيدروجين وقلنا بأنَّ للكون لغة مختلفة عن لغتنا العربيَّة ونحن إذا كانت لغتنا الجميلة مكوَّنة من 28 حرفًا فلقد رأينا وسمعنا ما لا يُعدُّ ولا يحصى من الكلمات والجمل المركَّبة من تلك الحروف فهي تتشكَّل تارة فتكون اسمًا ويتشكَّل جزءٌ آخر منها فيصير فعلًا وذاك صفة وهذا حرف وذاك فاعل وذاك مفعول وهكذا .. الخ برغم أنَّها محصورة في عدَّة ملايين شخص وفي بقعة صغيرة من كوكب لا وزن له ولا قيمة إذا ما قورن بالمجرَّة مثلًا فكيف بذلك الكون العظيم الذي لا نستطيع إدراكه ولا رؤيته كاملًا .. إنَّ أكبر وأحدث التِّليسكوبات لها قدرة محدودة في تقريب المجرَّات والسُّدُم بعدها تقف عاجزة ولا تعرف باقي الكلمات والجمل الكونيَّة فتصغي السَّمع إلى الرَّادارات التي تترجم الموجات اللاسلكيَّة والتي هي بدورها جزء من هذه الُّلغة وتتركَّب من نفس الحروف .. فإذا رجعنا لأرضنا وقفنا عاجزين عن حصر مخلوقات الأرض على تنوِّعها واختلافها في البرِّ والبحر والجوِّ فإذا غُصنا في أعماق الأرض كانت أجهزتنا عاجزة عن الاختراق إلا عدَّة مئات من الكيلو مترات وباقي جمل الأرض وكلماتها الباطنة لا نراها بل نتجسَّسُ عليها بالأجهزة الحسَّاسة .. ثمَّ لو تعمَّقنا في المادَّة وصولًا إلى الذَّرَّة لما استطعنا تصويرها ولا معرفة شكلها الحقيقيّ وإنَّ ما نراه ونسمعه عن الذَّرَّة محض افتراضات قد تصح وقد لا تصح. كون كهذا مُترامي الأطراف اتِّساعًا ومُتناهي الدِّقَّة في الصِّغر تُرى كم يلزمه من حروف لكي تكتب كلَّ هذه المخلوقات كما نراها بأعيننا؟ إنَّه على الأقل ليحتاج لمليون حرف حتَّى يتسنَّى لها أن تتشكَّل في تباديل وتوافيق مختلفة ليخرج لنا كلَّ هذا الكون بكلِّ ما فيه الحي والجماد! نعم كون كهذا كان محتاجًا لمثل هذا العدد من الحروف حتَّى يتشكَّل لما نراه لكن هذا في حالةٍ واحدةٍ فقط .. لو لم يكن خالقه الله! ليس هذا فحسب بل لو لم يكن الله عزيزًا وعزَّته ليس من جنس عزَّة البشر لكان للكون شأن آخر. فالمتأمِّل في صفة العزَّة الإلهيَّة ليجد العجب العجاب والذي معه يُسلب لبُّ أولي الألباب. ولعلَّ من تجليَّات هذه العزَّة أنَّ الله لمَّا أراد أن يُعبد خلق الكون بما فيه فكان من تمام العزَّة أن جعل الكون كتابه المفتوح لكلَّ من يودُّ القراءة دونما استئذان من أحد فهذا الكتاب لا يُباع ويُشترى ولا يُؤجَّر بل هو مُتاحٌ للجميع في أيِّ وقتٍ من ليلٍ أو نهارٍ فمن حقِّ أيِّ أحد أن يملِّي عينيه في أيِّ صفحة من صفحات الكون شاء في أيِّ وقتٍ شاء. نعم .. في كون الله القراءة للجميع .. لمن درس في المدارس والجامعات ولمن لم ينل حظًا ولا قسطًا من العلم كما فعل الأعرابي الذي تأمَّل في سطور السَّماء ذات الأبراج والأرض ذات الفجاج والبحار ذات الأمواج فعلم أنَّها آيات دالَّات على ربِّها وخالقها ومالكها فآية السَّماء الأبراج وآية الأرض الفجاج وأية البحار الأمواج ثمَّ استدلَّ على وجود الصَّانع بكون الأثر يدلَّ على المسير إذا لا أثر لأقدام دون سير صاحب الأقدام
(1) في الصَّحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِر، كَلِمَةُ لَبِيدٍ أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ [متفق عليه: اللؤلؤ والمرجان، كتاب الشعر رقم 1454]