تقدَّم ابن الطِّين حتَّى وصل إلى اختراع الكمبيوتر ذلك الجهاز الذي وفَّر كثير من الوقت والجهد وأنتج كثيرًا من التَّصاميم والمخترعات بدقَّة بالغة وقفز بالصِّناعة قفزة هائلة .. لكن ثمَّة لفتة ينبغي ألا تفوتنا ونحن نتحدَّث عن خلق الله وهي أن الإنسان عندما يأمر الكمبيوتر أن يُنبِّه آلة بعينها لصنع شيء ما أو نسخ رسالة ما أو طباعة شيء فإنَّه مع هذا الأمر يحدِّد له عدد النُّسَخ فيقول: واحد أو 1000 ويكون الأمران لدى الإنسان سواء فأمره بطباعة مليون نسخة ليس بأشق عليه من طلب نسخة واحدة والعكس فما بالنا بالله وله المثل الأعلى حين يقول {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} لقمان: 28
وقوله عن (جنس الإنسان يوم القيامة) {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} التَّكوير: 14
{عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} الانفطار: 5 وهي أبلغ كناية عن جنس البشر جميعا فهم في نوعهم أنفس وفيما بينهم كثير ولكنَّهم عند الله نفس واحدة .. وتأمَّل ذلك المطبخ العجيب الذي يتمُّ إنضاج الطعام فيه بواسطة فرن واحد وبماءٍ واحدٍ ينزل دفعةً واحدة .. انظر لتلك النَّباتات التي فيها مُكوِّنات الطعام ومقاديره منذ كانت مكتوبة ومخزَّنة في بذرته وحتَّى تنضج ثماره بواسطة فرن واحد هو الشَّمس ينضج الجميع ويعطي الضَّوء والحرارة للجميع دون مُقابل ودون انتظار للفاتورة .. كذلك الماء يدخل ليذيب تلك المقادير بنفس الطريقة وبنظام محكم بديع وهو في أصله من سماء واحدة ونزل في وقتٍ واحدٍ لا يمتنع من أحد ولا يحابي أحدًا وأيضًا دون مُقابل .. وبعدما تتأمَّل انظر إلى صنعتك ونتيجة طهيك وانظر إلى صنعة الله وما تمَّ طبخه في النَّبات والحيوان على حدٍ سواء .. وانظر كم تكلَّفت صنعة الله وكم تكلَّفت وجبتك التي طبختها؟! فإن كنت لا تصنع الشَّيء إلا بيديك أو بأمرٍ للجهاز المبرمج ليشغِّل الآلة فتصنع ما تريد فانظر إلى آثار رحمة الله وثماره وحبوبه ولحم طيره وحيوانه .. أأنت أمرت هذه الآلات أن تصنع ما تريد أنت .. أم أنَّها تصنع ما تراه سواء عليها أأحبَّت ذلك أم لا؟ وانظر إلى ماكيناتك وآلاتك وانظر إلى صنعة الله وآلاته بل آلائه ثمَّ ارجع إلى نفسك فسألها هل تستطيع صنع آلة تصنع الَّلحم بعروقه وبروتينه؟ أم هل تستطيع صنع ثمار الفاكهة؟ أم هل تستطيع صنع دودة أو حشرة تنتج لك عسلًا أو حريرًا أو خلافه؟ بل انظر إلى ثمرة كالبرتقال أو البطيخ وتأمَّل في غلافها كيف خرجت من آلتها جاهزة للأكل ومغلفة لكن تأمَّل في غلافها وفي أغلفة مصنوعاتك ولاحظ الفرق فيكفي أنَّ الآلة التي صنعت الثَّمرة وغلافها وبذورها واحدة أمَّا أنت تحتاج لآلة لصنع المنتج وأخرى لتغليفه وثالثة للتعبئة ورابعة للصق ختم أو شعار المصنع عليه وماكينات لصنع قطع الغيار .. أمَّا في صنعة الله فالماكينة واحدة وللعجب أنَّك لا ترى أجزاءها بعينيك المباشرة تلك الماكينات هي البلاستيدات الخضراء التي يوجد منها خمسمائة ألف بلاستيدة في المليمتر [1] ولا تراها بعينيك آه لو رأيت روعة تصميمها تحت المجاهر الحديثة لذهلت من دقَّة الصَّنعة والمختومة على مستواها الذَّرِّي بخاتم الملِك .. نعم تلك هي صنعة الله .. الأعجب من ذلك أنَّ ذلك النَّبات يستطيع أن يُكوِّن بذورًا يحافظ بها على نسله جيلًا بعد جيل فهل تستطيع ماكيناتك صنع شيء يعيد نفسه جيلًا تلو آخر! وعليه فإنَّ أمر الله
(1) المعجزة الخضراء التَّمثيل الضَّوئي ص 164 هارون يحي.