الصفحة 39 من 54

حضرته وبلاطه عليه أن يتخطَّى هذا الاختبارات وهي كذا وكذا .. على تنوِّع الأسئلة العقليَّة التي تحتاج للعقل والأسئلة الشَّفويَّة التي تحتاج اللِّسان وتلك التي تحتاج للعمل بالبدن كأن تدخل في متاهةٍ ويُطلب منك الخروج منها في وقتٍ مُعيَّن أو تعبر عدَّة حواجز مُحاطة بالأخطار. والفائز في النِّهاية سيحظى برؤية الملك ليس هذا فحسب بل سيزوِّجه الملك فتاة من أجمل النِّساء إمعانًا منه في الفضل والكرم. فهل بعدها سيتخلَّف عن تلك المسابقة إلا شقيٌّ أو جاحد؟ أما وقد آن الأوان لنفهم رسالة الله إلينا من خلال خلقه للبشر وإرسال الرُّسل .. أما آن الأوان أن تخشع قلوبنا لذكر الله بالحمد والشُّكر ابتداءً على نعمه العظيمة وآلائه الجسيمة .. أما آن الأوان لكي نُسبِّح الله ونذكره ليل نهار كما يرزقنا ليل نهار ويهدي إلينا في كلِّ وقت بنعمٍ عظيمة كما ذكرنا تستحقّ ونُكرِّر تستحقّ دوام الشُّكر لا مُجرَّد الشُّكر ودوام الإقرار بالفضل لا مُجرَّد الإقرار بالفضل .. ؟ ألا يستحقّ أن نُسابق للخوض في تلك المسابقة والاختبارات وحلّ الأسئلة التي هي طاعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وتجاوز الابتلاءات والامتحانات بقلبٍ راضٍ مُطمئنٍ كي نفوز بلقائه ومن ثمَّ رُؤية وجههِ الكريم في غير ضراءَ مُضرَّة ولا فتنةٍ مُضلَّة؟ أفلا نُشمِّر عن ساعد الجدّ للفوز بالجنَّة وبما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سَمِعَتْ ولا خطر على قلب بشر؟ أفلا نشوِّقُ أنفسنا بذلك؟ مَنْ مِنَّا لا يُريد أن يحظى بالحور العين وما أدراكم ما الحور العين .. ؟ وأنهارٌ من لبنٍ وماءٍ وعسلٍ مُصفىً وخمرٍ لذَّةٍ للشَّاربين وفواكه وعيشةٍ هنيَّة لا موت بعدها ولا همٌّ ولا غمٌّ بل كلُّها سلام!

ألا إنَّ الله قد خلقنا وقد أهدانا هدايا قيِّمة أوَّلها أن عرَّفنا أنَّه خالقنا ثمَّ هو أهدانا بنعم جسميَّة وحسيَّة ومعنويَّة لا تُعدُّ ولا تُحصى وأهدى إلينا رسولًا نبيًّا وقرآنًا عربيًّا وميعادًا هنيًّا لمن شمَّر له واستعدَّ له واهتزَّ وبشَّ لقوله {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} الحديد: 21 فالشُّكر لا يمكن أن تُوقفه عند حدٍّ مُعيَّن لأنَّ الله مُستحقٌ له على الدَّوام ولن نُوافيه حقَّه بما أنعم به علينا مهما فعلنا لقوله - صلى الله عليه وسلم - من حديث محمَّد بن أبي عميرة - رضي الله عنه - وكان من أصحاب النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: لو أنَّ عبدًا خرَّ على وجهه مِنْ يوم وُلِد إلى أن يموت هرمًا في طاعة الله لحقَّره ذلك اليوم ولودَّ أنَّه يُردُّ إلى الدُّنيا كيما يزداد من الأجر والثَّواب [1] . وفي رواية الطَّبراني من حديث عتبة بن عبد - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لو أنَّ رجلاًّ يُجَرُّ على وجهه من يوم وُلِد إلى يوم يموت هرمًا في مرضاة الله عزَّ وجلَّ لحقَّره يوم القيامة [2] . أي لحقَّر عمله وطاعته طول عمره من شدَّة ما يرى في ذلك اليوم من أهوال. فالله لا يملُّ أبدًا حتَّى يملَّ العبد فخير العمل أدومه وإن قلَّ فمن حديث عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ يَقُولُ: خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَأَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّتْ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلاَةً دَاوَمَ عَلَيْهَا [3] . فاشكر ربَّك ولو شُكرًا يسيرًا ولكن داوم عليه هذا خير الهَدْي والله أعلم.

(1) صحيح: رواه أحمد في المسند 17687 وصحَّحه شعيب الأرنؤوط وصحَّحه الألباني في صحيح التَّرغيب 3597.

(2) صحيح: رواه الطَّبراني وصحَّحه الألباني في الصَّحيحة 446 وقال هذا إسناد جيِّد وحسَّنه في صحيح الجامع 5249.

(3) متَّفق عليه: اللؤلؤ والمرجان، كتاب الصِّيام، باب: صيام النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في غير رمضان ... 712.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت