الصفحة 38 من 54

إليك ماءً عذبًا نزل إليك هديَّة من سماء هي آية من آياته وهي في ذاتها هديَّة وفي تمكينك من مُشاهدتها والتَّمتُّع بها ببصرك الذي هو هديَّة هو عين الهديَّة .. نعم أن تُهدَى بهديَّة تُشاهد بها ما لا حصر له من الهدايا وتُهدَى سمعًا هو هديَّة تسمع بها ما لا حصر له من الهدايا المسموعة التي تبهج النَّفس وتُريح القلب كالقرآن مثلًا .. وأهدى إليك قلبًا نابضًا لا يكلُّ ولا يملُّ ويجري فيه هديَّة حمراء يتغيَّر لونها على مدار اليوم من الأحمر إلى الأزرق لتهدي إليك خلال هذه الرَّحلات الدَّاخليَّة ملايين الهدايا التي يحتاجها جسمك من هرمونات وبروتينات وأكسجين وسُكَّريَّات وفيتامينات والمجموعة في كلمتي غذاء ودواء فهما هديَّتان يطويان تحتهما ملايين الهدايا الدَّقيقة .. ثمَّ هو قد أهدى إليك كُبرى الهدايا وأجملها وأعظمها وأغلاها ألا وهي المخُّ الذي كلُّ خليَّة عصبيَّة فيه هديَّة يأتيها رزقها رغدًا من كلِّ مكان من باقة من أجمل الهدايا من الدَّم أو هدايا الدَّم الحمراء لتعمل فكرك في معنى الهديَّة وتستعمل مُخّك وذكاءك وما بسائر أجزاء الدِّماغ من هدايا داخليَّة، كلٌ منها له فوائد كلٌ منها هديَّة يتبعها هديَّة وهدايا .. فمثلا أن تقبل هديَّة الطَّعام فتقوم الهديَّة المعديَّة الدَّاخليَّة بهضمه وتوزيعه على سائر أجزاء الجسم بعد توظيف عدَّة هدايا ثمينة كالقلب والرٍّئة والطُّحال والكبد والبنكرياس والرِّئتين .. الخ فيقبل جسمك الذي هو في مجموعه هديَّة كبيرة أو عُلبة مليئة بالهدايا ما يحتاج إليه من هدايا والزَّائد عن حاجته يتمُّ تصريفه وإهداء الغير به كالبول والبراز وما إلى ذلك فهذه يُهدَى بها مخلوقات أقلَّ في الدَّرجة وإن كانت هدايا في ذاتها لأنَّها تستعمل وتقبل هداياك لتُخْرج لك بدلًا منها هدايا أجمل فتقابل جميلك بأحسن منه فالنَّبات يأخذ برازك بعد أن تحلله هدايا بكتيريَّة ويُخرج لك هديَّة التَّنفُّس (الأكسجين) .. والشَّمسُ تبعث لك بأشعتها لتأخذ هديَّتك البوليَّة وتُبخِّرُها وتُنقِّيها في الجوِّ لتعود إليك ماءً زُلالًا أو تقوم هديَّة الأرض بامتصاصها ويتمُّ تحليلها بهدايا التُّربة الدَّاخليَّة .. أمَّا ما قبِلَه جسمك من هدايا ينتهي خطّ سيره إلى المخِّ ليقوم بتوزيع الهدايا على سائر الأعضاء فيبعث للعين مثلًا ما يُغذِّيها ويُعينُها على استقبال الهدايا المنظورة ثمَّ تستقبل العين ما تقبله وتبعث للمخِّ أنيِّ قد جاءني من الهدايا كذا وكذا فيقوم المخُّ بقبول الهدايا وإعادة برمجتها على الشَّكل الذي يُمكِّن الإنسان من التَّمتُّع بالهديَّة على وجهها الصَّحيح في أجزاءٍ وكسورٍ من الملايين من الثَّانية لا يُدركها الإنسان ولا طاقة له بذلك وقس على هذا سائر النِّعم والعطايا الإلهيِّة الملكيَّة فإذا كان كلُّ هذا يحدث لك لحظيًّا وفي النَّوم واليقظة .. أجهزة تعمل وهدايا تروح وتجيء .. والمُهدِي إليك كلَّ شيئ لم يطلب منك فاتورة الحساب آخر كلَّ شهر فلا هو حاسبك على الشَّمس وأشعتها ولا على القمر وضوئه ولا على النُّجوم وهدايتها لك في ظُلمات البرِّ والبحر ولا على الطَّعام والشَّراب ولا حاسبك على إنبات الزَّرع ورعايته ولا على هضمه وامتصاصه ولا على توظيفه في الجسم بل وهبك كلَّ هذا فضلًا من عنده دونما استحقاق منك ولا مُكْره له على فعل ذلك فهو خلقك ابتداءً مُستغنٍ عنك ووهبك ما وهب بفضله ورحمته .. أفلا يستحقُّ بعد ذلك كلّه أن تُشمِّر عن ساعد الجدِّ في ردِّ الجميل وشكر الهديَّة والاعتراف بالفضل العظيم لمن أهداك إيَّاها؟ وسُبْحان الله ليت الأمر ينتهي عند هذا الحدِّ أن يتركك تشكره كيفما شئت، وتُقِرُّ له بالجميل والإحسان والفضل .. لا بل أرسل إليك هديَّة من الملائكة هي جبريل عليه السَّلام بهديَّة هي القرآن على هديَّة من بني آدم هو سيِّدهم أجمعين ولا فخر مُحمَّد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - ليعلِّمك كيف تشكر وكيف تقابل الإحسان بالإحسان. فلو أنَّ مَلِكًا ما في الدُّنيا قد منحك عدَّة هدايا وعطايا من الذَّهب والفضة وأعطاك راتبًا كلَّ شهر كمنحةٍ منه وفضل عندئذٍ ستتمنَّى رُؤيته لتشكره وتنحني له وتسجد له سجدة الشُّكر والعِرفان على جميل صُنعه ومعروفه دون انتظار الجزاء، هب أنَّ الملك أعلن أنَّه من يريد رُؤيته ليشكره ويُجالسه في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت