الصفحة 7 من 54

يقول الملِك سُبحانه {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} الملك: 1

يخبرنا ربُّنا في هذه الآية بعد أن مجَّد نفسه أنَّه بيده الملك وأنَّه على كلِّ شيءٍ في هذا الملك ليس فقط قادرا لا بل قديرًا وهي صفة مبالغة في القدرة فلا يزيغ عن مُلكه شيء ولا يهرب من مُلكه شيء ولا يكون في مُلكه إلا ما يُريد ومُنذ خلق الله الكون وأنزل الكتب وأرسل الرُّسل لم يدَّع أحدٌ قطُّ من الجنِّ والإنس أنَّه يملك الملك أو جُزءًا من الكون فلم يدَّع أحد ملكه للأرض ولا للسَّماء ولا للكواكب ولا للنُّجوم أو المجرِّات بل لم يدَّع أحد قط مُلكه للذَّرَّة أو للإلكترون الدَّائر في فلكها وعليه فيظلَّ الله هو صاحب دعوى مُلكه للمُلك كلِّه إذ لا يوجد من ينازعه فيه سُبحانه. فإذا ثبت هذا وتقرَّر في الأذهان كان حقًا على كلِّ مُنصفٍ أن يُذعن ويقرَّ لله تفرُّده بالملك، لذا تحدَّى الله من ينكر ملكه للكون فقال {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} الملك: 3 وتأمَّل في الأمر {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ؟} هل ترى من عيب في الملك هل ترى من نقصٍ هل ترى من شيء ليس على الوجه الذي ينبغي هل ترى من شيء خرج عن خلقنا إيَّاه أو حُكمنا إيَّاه أو قدرتنا عليه وقهرنا له وأخيرًا هل ترى من شيء ليس عليه أو فيه خاتمنا الملكي الذي يُثبت مُلكنا لكلِّ شيء ونفاذ أمرنا في كلِّ شيء وقدرتنا على كلِّ شيء ظاهرًا وباطنًا أولًا وآخرًا؟ هل ترى من منطقة أو رسالة في السَّماوات أو في الأرض ليس عليها خاتمنا .. ثمَّ إمعانًا في التَّحدِّي أعاد الله جلَّ في عُلاه الأمر لئلا يتعذَّر الإنسان بقوله لم أدقِّق النَّظر .. لم أطوِّر أجهزتي .. لم أبحث جيِّدًا .. لم أنتبه للأمر جيِّدًا .. فسبق علم الله خواطر البشر لأنَّه خالقهم وخواطرهم قبل أن توجد سماؤهم وأرضهم. فقال {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} الملك: 4 وتأمَّل في الفرق بين فاء ... {فَارْجِعِ} و {ثُمَّ ارْجِعِ} فالأولى للنَّظر السَّريع والأخرى للتَّمهُّل والتَّراخي أي خُذ راحتك وتأمَّل وابحث وانظر بتأن وسكينة حتَّى يتبيَّن لك الحقُّ الذي هو حق رغم أنفك شئت أم أبيت يا إنسان لذا أعقبها بياء المضارع في {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} للدلالة على استمرار انقلاب البصر خاسئًا كلَّما حاولت إثبات عجز الله أو التماس النَّقص في مُلكه أو خلقه.

فلو رجعنا قبل ذلك بآيتين لوجدنا دعوة عامَّة للبحث في الحيِّ والميِّتِ على الأرض إذ فيهما نفس الخاتم وفيهما إعلام وإخبار بأنَّه خالق السّماوات والأرض ولا يعلم عددها وشكلها إلا خالقها الذي ملك وصفها على حقيقتها والذي أودع فيها نفس الخاتم ونفس البصمة التي هي دليل العزَّة ثمَّ جاء التَّحدِّي {فَارْجِعِ الْبَصَرَ}

ومن تمام عزَّة الملِك الحقّ أنَّ خاتمه الذي وضعه في كلِّ رسالة وفي كلِّ حرف لا نظير ولا مثيل له عند أحد بمعنى أنَّه لا يمكن لأحد أن يسرقه كما هو حال مُلوك الدنيا؛ لأنَّه لا يمكن بحال لأحد أن يسرق ذرَّة ويضعها في جيبه أو في خزينة ولا أن يملكها لحظة .. ثمَّ هو لو سرقها ونسبها لنفسه فرضًا وأراد أن يدَّعي أنَّه صاحب هذا الصَّكّ وهذا المرسوم (النَّبات مثلًا) بحجَّة أنَّه يملك الخاتم (الذَّرَّة) فستكون حُجَّته هي دليل إدانته وكذبه؛ لأنَّه ما إن يتم تحليل الرِّسالة إلى مُكوِّناتها الأصليَّة إلا ويجدوا أنَّ كلَّ خليَّة فيها نفس الخاتم الذي يدَّعي صاحبنا اللِّص أنَّه يحتفظ به ويصكّ به أي مخلوق يشاء .. ودليلٌ آخر على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت