الصفحة 11 من 54

الإثبات .. فمحو الرَّبيع إثبات لجنس الحياة على الأرض واثبات دوران الأرض حول نفسها هو عينه جنس الحياة على الأرض. ومسألة المحو والإثبات هي في أصلها سُنَّة كونيَّة وليست شيئًا جديدًا في مُلك الله فحياة الإنسان مثلًا مُتوقِّفة على تلك المسألة بما يُسمُّونه الهدم والبناء أو الميتابوليزم أو الأيض الغذائيّ. فلو لم تقم بمحو صورة الطَّعام التي تتناوله عليها وتثبته في صورة صالحة للامتصاص من قِبَل الأمعاء وغيرها لما أمكن الاستفادة من الطَّعام ... ولا يعرف قيمة هذا المحو الذي يمدّ الحياة إلا من يُعاني من عُسْر الهضم ومشاكل الأمعاء والقولون فلابدَّ من الهدم من أجل البناء ولابدَّ من المحو من أجل الإثبات. وهُناك ما تمحوه المعدة ويصلح للامتصاص وهُناك ما تمحوه ولا يصلح إلا للخروج كالبراز. ثمَّ تقوم خلايا الدَّم الِّليمفاويَّة أو جهاز الِّليمف عمومًا بامتصاص جُزيئات الطَّعام بعد تكسيرها إلى أجزاء دقيقة فتوزِّعها في الدَّم على سائر الخلايا والأنسجة والأعضاء وتقف كلَّ ذرَّة وكلَّ جُزئ على باب الخليَّة تستأذن في الدُّخول فلا يُؤذَن لها من قِبَل الخلايا الحارسة حتَّى تأتيها إشارة من ملكة الخليَّة (النَّواة) برسالةٍ كيميائيَّةٍ خاصَّة أن افتحي للذَّرَّة (س) أو لعدد معيَّن من الذَّرَّات بمواصفات خاصَّة وأحجام وأقطار مًحدَّدة لا تتعدَّاها .. والخلايا لا تجامل أحد العناصر أو الذَّرَّات على حساب عنصر آخر فلا تُدخل الذّهب لبريقه ولا لأنه أغلى عند الإنسان وله قيمة في حياته لكنَّه بالنِّسبة لها كالسُّم الزُّعاف .. إنَّ عنصرًا كالنُّحاس أو ذرَّة واحدة من البورون مثلًا لها من الأهميَّة في الخليَّة ما يفوق ملء الأرض ذهبًا لدى الإنسان. لذا كان من سُنَّة الله في الخليَّة أنَّه من تسمح لنفسها بتجاوز حدودها وتُدخل فيها من لا يحقّ له الدُّخول ودون إذن النَّواة أنَّ تُعاقَب الخليَّة والنَّواة نفسها بالإعدام بذلك العنصر الدَّخيل لتكون عقوبة للنَّواة التي فشلت في فرض سيطرتها على خلاياها الدُّنيا، وعقوبة للخلايا الخائنة على حدٍ سواء. والشَّاهد أنَّ مجموع عمليَّات تكسير الجزيئات الغذائيَّة من بروتين وخلافه في المعدة والأمعاء ثمَّ إعادة تحويلها وتجميعها في صورة أخرى تناسب حاجات الإنسان الخلويَّة .. تلك العمليَّة في مجموعها هي الحياة ولو زادت عمليَّة الهدم عن البناء تحدث الشَّيخوخة ويموت الكائن طبيعيًّا لفشل أنظمة خلاياه الدَّاخليَّة عن مُواصلة مهامِّها المنوطة بها. كذلك لو زاد البناء عن الهدم تحدث السِّمنة المفرطة التي تؤدِّي إلى الوفاة. ولهذا حكمة تقييد عمر الكائنات الحيَّة فمن لم يقتله المرض قتله غيره من الكائنات ومن لم يمت في حادث انتظر حتَّى حين فتوافيه منيَّته طبيعيًّا وإلا لضاقت الأرض بسكَّانها لو لم يكن الموت سُنَّة طبيعيَّة في الأحياء .. وهذا هو أنموذج حي نعيشه كلُّنا ونلمس آثاره في المحو والإثبات فعندما يزيد الإثبات في خلايا الطِّفل ينمو سريعًا حتَّى يصل لسنٍ مُعيَّنٍ يتساوى معه المحو والإثبات ثمَّ ينعكس النِّظام فيزيد المحو على حساب الإثبات فيموت الإنسان.

ومثال آخر هو محو آية الَّليل وإثبات آية النَّهار .. فليس مقصودها جعل نصف الكرة نهارًا أو نصفها ليلًا فقط وليس مقصودها الإضاءة والإظلام لذاتهما إذ لو كانت نصف الكرة نهارًا ونصفها ليلًا على الدَّوام لمات المواجهين لنصف النَّهار من شدَّة الحرِّ ومعهم سائر الأحياء ومظاهر الحياة. ولمات المواجهين لنصفها المظلم من شدِّة البرودة وهذا مُشاهَد ومُصَوَّر على سائر الكواكب غير الأرض. وقولنا إنَّ الإضاءة والإظلام ليسا مقصودين لذاتهما لأنَّهما أعراض تنشأ من التقاء الضَّوء بالأجسام إذ ليس للضَّوء ولا للظَّلام في ذاتهما معني ولكن لفعلهما المتعدِّي وتأثيرهما في الأحياء من ناحية ولإثبات قدرة الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت