الصفحة 43 من 54

لو مشيت يا عبد الله تتأمَّل في عجيب صُنع الله في سمائه وأرضه وفي البرِّ والبحر، وأنت مُستشعر أنَّك لست وحدك الذي يعبد الله ويسبِّحه ويُشفق من عذابه، وأنَّ كلَّ ما تراه في الكون وما لا تراه، إن هو إلا مظهر من مظاهر قدرة الله في عالم الشَّهادة، وأنَّ ما في الكون من إبداعٍ هو فقط تجلِّيات أسمائه الحسنى وصفاته العُلَى .. فترى النَّبات يقول لك دون أن تسمعه: أنا صنعة الله في هذا الشَّكل .. أنا عابدٌ لله في هذا التَّصميم .. ألا ترى روعة تصميمي؟ ... ألا تتوقَّف أمامي قليلًا لتتأمَّل بديع صنع الخلَّاق العليم؟ ... انظر كيف جعل الله لوني أخضر حتَّى لا يجهد عينك، ومن ثمَّ يبهج قلبك، وكيف جعلني مُذلَّلًا لك عند بذري وحصدي وطهيي وأكلي وهضمي وإخراجي .. تأمَّل يا من درست الذَّرَّة كيف انتظمت ذرَّات ساقي لتكون خضراء، في حين انتظمت في أوراقي لتتلوَّن بالعديد من الألوان منها الأخضر والأصفر والأحمر أو خليطٍ منهم فتكون مُبرقشة مُزخرفة بإبداع بديع السَّماوات والأرض .. ألا ترى اسم الله (بديع السَّماوات والأرض) ظاهرًا جليًّا أمام ناظريك؟ .. ألا ترى صفة (الحكمة) في كلِّ شيء في تكويني ظاهرة جليَّة؟ .. تأمَّل في ذرَّاتي وفي تركيبي الدَّاخليّ من خلايا ومواد وراثيَّة وهُرمونات وأملاح وسكريَّات تجد الَّلطيف الخبير ظاهرًا وباطنًا .. تأمَّل في الشَّكل والَّلون تجد (بديع السَّماوات والأرض) تأمَّل في الأوزان والتَّركيب الخارجيّ كما هو ظاهرٌ لك وتناسق الوظائف البيولوجيَّة تجد الظَّاهر الحكيم العليم .. تأمَّل ففي كلِّ جُزء تجد اسمًا وصفة لله محاطة في كلِّ مرَّةٍ باسمه القدير وبصفة القدرة بل طلاقة القدرة.

والنَّجم يبعث إليك بضوئه قائلًا لك: كم سبّحتُ حتَّى وصلتُ إليك يا إنسان .. أتدري يا عاص لله كم بيني وبينك .. لقد سبحتُ ملايين السِّنين حتَّى وصلتُ إليك بسرعتي الرَّهيبة البالغة 300.000 كم / ث وأنت غافلٌ نائم تائه لا تدري لماذا خلقك الله .. ها أنا أسبِّحُ في طريقي إليك قبل أن تولد .. ـ وقبل أن تُخلق أرضك التي تدبَّ عليها وتعصي الله تحت سمائها ـ بملايين السِّنين فلمَّا دخلتُ في عينك وأحسَّ بي مخُّك فأبصرتني لم تُسبِّح فصرتُ أنا حيًّا بذكر الله وأنت ميِّتٌ رغم أنف علمائك في الأرض .. لقد جئتك من العُلُوِّ من سماء تعلوها سماوات ألا ترى أن العَلِيَّ هو الذي علَّا مكاني، وهو سُبحانه أعلى وأعلى فهو العّلِيُّ الأعلى القدير ألا ترى الذي بعثني لك بالحقِّ لأخدمك قد أحاط بي وبمجرَّتي وبأكثر من 400 ألف مليون مجرَّة هي جُزء صغير من زينة سمائك الدُّنيا فكيف بالسَّابعة ... تلك السَّماوات مجتمعة إن هي في سعة الكرسيِّ إلا كحلقةٍ ملقاةٍ (أي لا قيمة لها) في فلاةٍ (صحراء) فكيف بالكرسيِّ! .. هذا الكرسيُّ هو الآخر إن هو في العرش وسعته إلا كنسبة الحلقة في الفلاة فكيف بالعرش! .. ها أنا شُعاع الضَّوء بلغتُ من العمر ملايين السِّنين وأنا أنطلقُ بأقصى سُرعة ... والله كان حيًّا قبل خلقي وكان حيًّا لحظة خروجي من مجرَّتي وسيبقى حيًّا لا يموت .. ألا ترى أنِّي لحظة وصولي ُإليك لم تنته حياتي بعد، بل سأخوض معك رحلة حياة أخرى داخل جسمك ثمَّ إلى غيرك بعد موتك كلُّ هذا وأنا أسَبِّح .. ألا ترى أنِّي قد متُّ كشعاع ضوء لكنِّي سأبقى حيًّا أسَبِّح كجزء من ذرَّةٍ فيك أو في غيرك .. كلُّ هذا والله حيٌّ لا يموت .. ألا ترى أنَّه قد اعتراني الحول والتَّغيُّر والله لا يتحوَّل ولا يتغيَّر .. ألا تراني أحيا حياة تلو حياة كلٌ من جنسٍ مختلفٍ ثمَّ أفنى في النِّهاية والله حيٌّ لا تتغيَّر حياته ولا يتحوَّل من حياةٍ إلى أخرى بل هو حيٌ على الدَّوام حياة أبديَّة ليست من جنس حياتنا؟ .. سُبحانه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت