الصفحة 44 من 54

ليس كمثله شيء .. ألا ترى أنَّني حتَّى أظلَّ حيًّا لابدَّ لي من طاقةٍ تمدُّني بالحركة والله حيٌّ لا يحتاج لذلك .. ألا ترى أن كلَّ ذلك صفات نقصٍ فيَّ والله مُنزَّهٌ عنها سُبحانه؟ .. ألا ترى كم قطعتُ من مسافاتٍ شاسعةٍ لا تستطيع تخيُّلها ... وكلُّ هذا في قطعةٍ صغيرةٍ من مُلْك الله .. ماذا تمثِّل زينة السَّماء الدُّنيا في السَّماء الدُّنيا نفسها؟ لا شيء .. ماذا تمثِّل السَّماوات السَّبع في الكرسيِّ .. مُجرَّد حلقة في صحراء ... والكرسيُّ في العرش كالحلقة في الصَّحراء .. أتدري كم يبلغ قطر زينة السَّماء الدُّنيا المقدَّر حتَّى الآن؟ لقد قُدِّر ?70 ألف مليون سنة بسير الضَّوء ... حاول أن تتخيَّل سعة المُلْك يا ابن آدم ثمَّ تأمَّل لتعلم من هو الملِك الحقّ وكيف يكون المُلْك؟ .. أليست هذه مخلوقات لله ... أين الله إذن.؟ ستقول في السَّماء ... ها قد اعترفت بل ها أنت الآن فقط قد فهمت معني في السَّماء .. أنَّ الله فوق كلِّ هذا المُلْك العريض .. أنَّه عليٌّ .. أنَّه مُحيطٌ .. أنَّه عظيمٌ ... وأيضًا هو قديرٌ وهو (بديع السَّماوات والأرض) انظر للمجرَّات وتأمَّل في أشكالها وألوانها وسرعتها واتِّساعها تعلم روعة إبداعها من الله الخلَّاق العليم ... أيُّ إلهٍ هذا الذي نحنُ عنه غافلون .. حيٌ .. عليٌ .. سميعٌ .. بصيرٌ .. رغم بُعد ما بيننا وبينه .. الكلُّ في قبضته .. تحت حُكمه .. رهن مشيئته ..

أرأيت يا ابن آدم .. إلى أيِّ شيءٍ يقودك التَّفكُّر فيما حولك ... إلى النَّتيجة الكبرى والحقيقة العُظمى .. أنَّ أسماء الله وصفاته تحيط بك وتقيم الحجَّة عليك بلسان الحال .. وأنَّها عليك شُهودٌ يوم القيامة ... وهي رُسُل بعد رُسُل .. فإذا نظرتَ إلى السَّماء وما فيها وجدتَّ رُسُلًا كثيرة وإذا نظرتَ في الأرض أو في البحر أو في الشَّجر أو الحجر وجدتَّ رُسُلًا لا حصر لها من صفات الله وتجلِّياتها المتمثِّلة في كلِّ ما تراه من إبداع من حولك .. لحظة تأمُّل تقودك إلى الله .. لحظة تفكُّر تقودك حتمًا إلى تسبيح الله .. إذ النَّقص فيك لازم .. والكمال فيه لازم ... سُبحان الله

قال الشَّاعر

إذا ما رأيتَ الله في الكلِّ فاعلًا = عقلتَ فصيَّرتَ القِبَاح مِلاحًا

وإن لم تجد إلا مظاهر صُنْعِه = جَهِلْتَ فصيَّرتَ المِلاحَ قِبَاحًا

قال الله:

{وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فصلت: 39 تأمل معي قوله: .. {اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ .. } أي: تمايلت واضطَّربت وتحرَّكت يمنةً ويسرةً، وعَلَتْ في السَّماء؛ فَرِحَة بطاعة ربِّها مُسبِّحةً له على الدَّوام حتَّى يأتي أجلها بعد أداء وظيفتها المنوطة بها.

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - رضي الله عنه - يقول:"خرج نبيُّ من الأنبياء بالنَّاس يستسقي فإذا هو بنملةٍ رافعةٌ بعض قوائهما إلى السَّماء فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النَّملة" [1] . فانظر كيف أن مالك الملك لا يغفل عن تدبير ملكه في كل صغير وكبير.

دعك الآن من النَّملة وعجائبها التي لا تنتهي فأنا الآن أودُّ أن أبحر بك في عالم آخر من عوالم الكون.

(1) صحيح: رواه الدَّارقطني وصحَّحه الألباني في المشكاة برقم 1510.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت