الصفحة 37 من 54

{وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} محمَّد: 30

{لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} الشُّورى: 12

{قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} الرَّعد: 27

ومشيئة الإنسان في الدنيا كلها بقدر الله وتبع لمشيئته سبحانه إذ لا يشاء أحد ما لا يريده الله كما لا يستطيع أحد منع ما يريده الله لقوله تعالى {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} الإنسان: 30 {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} التَّكوير: 29 إذ كلُّ الحوادث والإرادات إنَّما هي تحدث بعلمه ووفق مُراده الكونيّ القدري والكلام في هذا يطول وينأى بنا عن موضوع العزَّة .. نخلص من ذلك: أنَّ كون الله لا مُكْره له على فعل شيئ فإنَّ ذلك لتمام عزَّته وقُدرته وأنَّه لا سُلطان لأحد فوق سُلطانه ولا أمر لأحدٍ فوق أمره. والله أعلم.

وكلُّ أنواع عزَّة البشر مصدرها الله العزيز، فالعزيز بماله عزيز بما يملك من مال الله فالمال كلَّه من الله والعزيز بجاهه وسُلطانه فإن الذي ملَّكه وسلَّطه هو الله والعزيز بنَسَبِه فإن الذي خلق له من يعتزّ بهم هو الله والعزيز بأولاده كذلك لأنَّهم هبة من الله والعزيز بقُوَّته فإن الذي منحه إيَّاها هو الله {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا .. } فاطر: 10

لذا فإنَّ العزَّة الدُّنيويَّة المكتسبة هي رزق يرزق الله به من يشاء وهذا من تجلِّيات صفاته في الحياة الدُّنيا لينظر كيف يتصرَّف النَّاس بجُزْءٍ من صفات الله لو كانوا يريدون أن يكونوا آلهة .. ها قد أعطاهم المال فبخلوا وأمسكوا خشية الإنفاق .. وها قد أعطاهم القوَّة فظلموا وبطشوا واستعلوا على النَّاس وقالوا من أشدُّ منَّا قوَّة فاستعملوها في الكسب الحرام وفي قطع الطَّريق وقتل النَّاس ونشر الفساد .. وها قد أعطاهم السُّلطة ففعلوا كذلك ها هم قد أُعْطُوا نعمًا جمَّة بتجلِّيات صفة واحدة وهي صفة العزَّة فكانت النَّتيجة ما ترونه في الواقع لا ما نكتب ونحكي عنه .. فأثبت واقع الإنسان على الأرض أنَّه لا يملك أن يُنازع الله في مُلكه ولا أن يتحلَّى ويتخلَّق بأخلاق الله وكرم الله وعفو الله وحلمه وجوده وبذله وإحسانه.

الله من عزَّته واستغنائه عن النَّاس أعطاهم كلَّ شيئ وزيادة على ذلك أعطاهم ما يهتدون به {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} طه: 50 فلقد أخبر عن نفسه أنَّه الملِك العزيز الكريم لكن كرم الله ليس ككرم البشر فالله قد أعطى بلا حدود فتفاوت النَّاس في استقبال الهدايا الإلهيَّة والمنح الرَّبانيَّة تفاوتهم في استعمالها والتَّصرُّف فيها على تنوُّعها. فبعضهم شكر النِّعمة ورعاها حقَّ رعايتها والأغلب الأعمّ اعتقد أنَّه نال العطايا والنِّعم عن استحقاق لفرط ذكائه أو جماله أو حسبه ونسبه .. ونسي من كان هذا حاله استغناء الله عنه ابتداءً وكونه هو المُهدَى إليه فهو ليس الأحسن على الإطلاق بل هو المحتاج وهو المفتقر إلى من أهدى إليه وهو المُستحق عليه شكر من تفضَّل عليه بتلك النِّعم خاصَّة وأنَّ ما يُهدَى إليه ليس كعطايا البشر لها أغراض دنيويَّة أو محبَّة زائلة يشوبها النِّفاق والرِّياء فضلًا عن لحظيَّتها .. فهدايا الدُّنيا من البشر بعضهم لبعض لها مُناسباتها وتنتهي وفي غالبيَّتها لا يُستفاد بها بل تُوضع فقط للزِّينة بعكس من يهدي إليك كلَّ لحظة ذرَّات من الأكسجين النَّقي ويهدي إليك في أي وقت تُحبّ قبول الهديَّة طعامًا شهيًّا لا نقدر على حصر أنواعه وأصنافه في وريقاتنا هذه. وأهدى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت