قد يقول قائل: كلامك جميل ولكن أنت تتكلَّم عن الخاتم في عصر الذَّرَّة وفي عصر ما بعد الذَّرَّة بعدما عرف الإنسان كلَّ شيءٍ عنها ونجح في تفتيتها وشطرها وصنع منها القنبلة النَّوويَّة والهيدروجينيَّة واستطاع تسخير الإلكترون في شتَّى مناحي الحياة على المستويات الطبيَّة والزِّراعيَّة والدَّوائيَّة والعسكريَّة والغذائيَّة .. وبناء عليه حددتَّ الخاتم بأنَّه ذرَّة الهيدروجين وهو أمرٌ مقبولٌ جدًا ومبهرٌ جدًا في هذا العصر لكن ما بال القرون الأولي من لدن آدم عليه السَّلام وحتَّى قبل عصر الذّرَّة الذي نعيش فيه؟ أنيَّ لهؤلاء أن يعرفوا هذا الخاتم؟ والجواب عن هذه الشَّبهة يطول جدًا لكن سنختصر القول ونجمله بقولنا إنَّ الله عزَّ وجلَّ أنزل القرآن وصاغه بأسلوبٍ بليغٍ بديعٍ لا نظير له في جزالة ألفاظه مع سهولتها وقوَّتها واشتملت آيات الله التي تتحدَّث عن الخلق والحياة والنَّبات والحيوان والإنسان والفضاء والسَّماء بما فيها من كواكب ونجوم ومجرَّات .. اشتملت تلك الآيات على ألفاظ تصلح لكلِّ زمانٍ ومكانٍ فإذا قرأها البدويُّ الذي لا يعرف سوى رعي الأغنام أو الزِّراعة يفهمها بحسب ما يُناسب عقله ويصل بها إلى المقصود منها كما سبق عن الأعرابيّ .. وإذا قرأها المتعلِّم الدَّارس فهمها بما تمليه عليه ثقافته وعقله النَّاضج فيصل بها إلى المقصود، وإذا قرأها العالم الرَّبانيّ الذي درس الشَّريعة وعلوم الدِّين فهم منها مقصود الله ولو لم يتدبَّرها لأنَّ معه أصل التَّسليم والانقياد كما كان عليه صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،وإذا قرأها عالم الطبيعة أو الكيمياء أو الطبِّ فهمها فهمًا مختلفًا تمامًا عن الأفهام السَّابقة والآيات تحتمل فهمه الجديد الذي يُناسب عصر العلم وكلُّ هذه العقول والأفهام وصلت لنفس النَّتيجة وهي وحدانيَّة الله ومُلكه للكون كلِّه بما فيه وقيُّوميَّته عليه فلا هذا يُسفِّه ذاك ولا هذا يحطّ من شأن ذاك فمثلًا قول الله تعالى وهو يحثُّ ويحضُّ النَّاس على التَّأمُّل في الكون لإثبات وحدانيَّة الله {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} الغاشية: 17 ـ 20 قرأها النَّاس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا بها وعقلوا معناها بل وسمعها الكفار فأسلموا مع أنَّهم ما فهموا منها معشار ما فهمه علماء العصر الحديث فهم قد علموا أنَّ الإبل تتحمَّل العطش لفتراتٍ طويلة وأن شفتها مشقوقة حتَّى تستوعب الشَّوك الذي يتخلَّل بعض غذائها وخُفَّه مفلطح حتَّى لا تغوص قدمه في الرِّمال ولحمه فيه وهكذا. ونظروا للسَّماء فعلموا أنَّها واسعة وأنَّ نجومها بعيدة فمن الذي وضعها هُناك ورفها بغير أعمدة ظاهرة للعيان؟ وهكذا، أمَّا فهم علماء اليوم لم يعد قاصرًا على مُجرَّد الكلام والتَّأمُّلات النَّظريَّة فحسب بل الفهم الآن على المستوى المعمليّ مُستوى التَّجربة والاختبار والتَّحليل الكيميائيّ والفيزيائيّ لكلِّ شيء ممَّا يخرجون معه بأبحاثٍ لا حدَّ لها وكُتُب ومجلَّدات ضخمة في مسائل كانت تمرُّ مرَّ الكرام على غيرهم ممَّن سبقهم فيزداد إعجاز الله في الآية وضوحًا ويزداد معه اليقين والإيمان فلا السَّماء التي نظر إليها الأقدمون ووقفوا عند حدِّ كونها بعيدة مُترامية الأطراف هي السَّماء التي بنيت لدراستها وتصويرها المراصد والتليسكوبات العملاقة بل تعدَّى الأمر إلى السَّفر فيها وإرسال المركبات الفضائيَّة وإنشاء المحطَّات الدَّوليَّة تمهيدًا لسكنى الإنسان في الفضاء فلقد أحصوا نجومها ومجرَّاتها وقدَّروا أحجامها وأبعادها وشدَّة ضوئها وسُرعة جريانها وكيف تُولد وكيف تموت وتختفي مع أنَّ الآية هي هي لم تتغيَّر لكن وسيلة الفهم والكشف والإدراك هي التي تغيَّرت .. ولقد أخبرنا القرآن في غير ما آية عن رسله الكرام وهم يحثُّون أقوامهم الكافرين والمشركين على التَّأمُّل في الكون وفي خلق السَّماوات والأرض والجبال والأنهار وإنبات