الصفحة 24 من 54

يا إنسان لا تملك لنفسك شيئًا وسلَّمت بأنَّ الله الخالق المالِك حكيم فيما يأمر به وينهى عنه فليس أمامك إلا الرِّضا والشُّكر أن وجَّهك لما فيه صلاحك ومنفعتك فهو لم يبعث بكلماته الكونيَّة لتدلَّ عليه فقط بل جعل في كلٍّ منها منفعة ومصلحة لك علمها العالمون وغفل غنها الغافلون. فما عليك إن أردت السَّلامة إلا أن تصغي السَّمع لأمر خالق كلمة السَّمع (الأُذُن) فتقول: لبَّيك ربِّي سمعنا وأطعنا .. وتأمَّل كيف وضع الله هذا الشِّعار وهذا الإقرار في أسمى عبادة وأجلَّها ألا وهي الحجّ فتقول: لبيك الَّلهم لبَّيك لبَّيك لا شريك لك لبَّيك إنَّ الحمد والنِّعمة لك والملك لا شريك لك .. لبَّيك إله الحقِّ لبَّيك .. ولبَّيك تعني طاعة بعد طاعة واستجابة سريعة بعد استجابة وأنت تُقرُّ فيها بأنَّ له الملك وله الحمد أنَّه مالِك الملك لا أحد سواه وإلا لضعت أنت .. والعجيب أنَّ الله قد أذلَّ ألسنة المشركين بأن أخضعها للإقرار بذلك حتَّى وهم على شركهم وعنادهم فقد كانوا يُلبُّون في الجاهليَّة يقولون: لبَّيك الَّلهم لبَّيك لبَّيك لا شريك لك لبَّيك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك .. وهو إقرار بأنَّ الله مالكهم ومالِك شركاؤهم وما يملكون .. فادعو كما علَّمك النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: لبَّيك الَّلهم لبَّيك .. لبَّيك وسعديك .. والخير في يديك .. والشَّرُّ ليس إليك .. نحن بك وإليك .. تباركت ربَّنا وتعاليت. فمن حديث عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ - رضي الله عنه - عن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ. أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّى سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ ... إِلَيْكَ» [1] . ومن حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ» . قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رضي الله عنهما - يَزِيدُ فِيهَا لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ [2] . ليس هذا فحسب بل لابدَّ أن تقرن تلك الطَّاعة والاستجابة بطلب المغفرة والرِّضوان على ما فات وما أنت عليه من عصيان وغفلة وما يمكن أن تعصي الله فيه مستقبلًا .. فهو قد خلقك وهو عزيزٌ دونك ومستغنٍ عنك بذاته وأنت فقير إليه ـ مهما زادت ثروتك ـ بذاتك ففقرك ذاتيّ وغناه ذاتيّ وهكذا يجب أن تتعبَّد لله بالتَّأمُّل في أسمائه الحسنى وتطبيق ما يمليه عليك فهمه منها في حدود ما أمر به في كتابه المقروء (القرآن) وبعيدًا عن تلبيس الشَّيطان عدوِّك الَّلدود. بل ويجب علينا أن نستعين على قراءة وفهم كتابه المنظور بمحاولة تدبُّر وفهم معاني كتابه المقروء لأنَّ هذا هو كلامه المسموع وتلك هي كلماته المكتوبة التي ننظر إليها فلا يمكن لأحد أن يصف لك ما كتبه الله وأودعه من عجائب وحكم في سماواته وأرضه إلا هو نفسه من خلال ما تكلَّم به إلى جبريل وأمره بأن ينزل به على محمَّدٍ النَّبيِّ الهادي الأمين عليه صلوات الله ورحمته وبركاته ..

(1) صحيح: رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة والليل وقيامه رقم 1848]

(2) صحيح: رواه مسلم، كتاب الحج، باب: التلبية وصفتها ووقتها رقم 2868]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت