الصفحة 23 من 54

أو نقصت نقطة تغيَّر مدلول الحرف ونشاطه وسلوكه بحسب عدد الحروف والتَّشكيلات. وكأنَّ التِّقاط تشكِّل فيما بينها علامات التَّشكيل من الفتحة والكسرة والضَّمة .. أرأيتم لغة بهذا الشَّكل من قبل؟! هل تعلمون عزَّة كعزَّة الله؟ ها قد خلق الكون كلَّه ورتَّب حروفه وكلماته وسطر بأيدي قدرته المطلقة صفحاته من تكرار حرف واحد فقط .. وسُبحان الله لو كانت الألف في قوله {الم} تعني أيدروجين مثلًا والتي منها يتركب سائر حروف الكون فبالله عليكم ماذا يمكن أن تعني باقي الحروف؟! لقد تحدَّى الله العرب أن يخترعوا حرفًا جديدًا يُضاف للعربيَّة فعجزوا وتحدَّى الله العلماء أن يأتوا بحرفٍ كونيٍّ واحدٍ من عند أنفسهم فعجزوا عن خلق ذرَّة فما دونها .. مع العلم بأن تلك الذَّرَّة تتألَّف ممَّا هو أصغر منها بكثير! قال الله {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} سبأ: 22 {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} النَّحل: 20 {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} الفرقان: 3 {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ} فاطر: 40، الأحقاف: 4 وقال - صلى الله عليه وسلم - كما ثبت من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ، فَرَأَى أَعْلاَهَا مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً [1] بقي أن نُشير إلى أنَّ حرِّيَّة النَّظر في ملكوت السَّماوات وكلماته وصفحات الأرض وما فيها من مخلوقات لا يتوهَّم البعض منها الحرِّيَّة المطلقة التي تمكِّنه من الاطِّلاع في بُيوت النَّاس دون إذن بحجَّة أنَّ النَّاس جُزء من هذا الكتاب المفتوح .. كما لا يتوهَّم أحد أنَّ ذلك يجيز له النَّظر إلى النِّساء الأجنبيَّات اللاتي يحرم عليه النَّظر إليهنَّ بحجَّة التَّأمُّل في كتاب الله المنظور من خلال المرأة الجميلة لأنَّه هو الذي أمرك بغضِّ البصر عنهنَّ وأمرهنَّ في الوقت ذاته بالحجاب والسِّتر عن الرِّجال الأجانب. فالله هو الذي خلق لك كلمة البصر ووضعها في عينيك وهو الذي أمرك بالبصر في باقي كلماته واستثنى منها بعض كلمات لا تملكها ولا تملك النَّظر فيها إلا بحقِّها ولابدَّ من التَّقيُّد بقيودٍ مُعيَّنةٍ حتَّى يتسنَّى لك قراءتها والتَّأمُّل فيها كالزَّواج مثلًا فمن خير الأمثلة على ذلك علاقة الرَّجل بالمرأة الأجنبية قبل الزَّواج له أحكام وبعد الخطبة له أحكام وبعد العقد والدُّخول له أحكام فإن طلَّقها فله أحكام وهكذا. ولقد أباح الله لك أن تنظر ولا حرج إلى أمِّك وأخواتك مثلًا فيما دون العورات أمَّا النِّساء وراء ذلك فقد قيَّد الأمر بأحكام خاصَّة وأمرك بغضِّ البصر عن تلك الكلمات الجميلة التي تُسمى النِّساء في الوقت الذي أمرها فيه بحجب تلك الكلمات عن عيون النَّاظرين ليكون في هذا حكمة تنفيذ أوامر الله التَّعبُّديَّة دونما ضجر أو اعتراض فلقد قلنا بأنَّ من تمام الملك أن يتصرَّف المالِك في مُلكه كيف شاء ويأمر مملوكه وينهاه كيفما شاء وإلا كان مصيره الهلاك والعقاب فأراد الله أن يعلِّمك أنَّه لا يحلُّ لأحدٍ أن يطَّلع على شيءٍ من كُتُبه إلا بإذنه وأمره فهو قد أذن لك في الكون العلويِّ وأمرك بذلك والسُّفليِّ وفي الزَّرع والحيوان ونهاك عن فئةٍ خاصَّةٍ من هذه الصَّفحات فلا تطَّلع فيها إلا بإذنه. ولعلم الله المسبق بأنَّ الإنسان من عادته النِّسيان فقد أنزل إليه الرُّسل بكتبٍ من عنده كلٌّ منهم له شرعةٌ ومنهاجٌ والدَّعوة أساسها واحد مع تعدُّد الشَّرائع بما يُوافق أحوال الأمم والشُّعوب وتغيُّر الزَّمان وسُبُل المعيشة. فكما أنَّك تُقلِّب بصرك فيما أذن لك فيه وأنت راضٍ مُطمئن كان لزامًا عليك أن تغضَّ بصرك عن محارم الله وأنت راضٍ مُطمئن لأنَّك

(1) متفق عليه: اللؤلؤ والمرجان، كتاب اللباس والزينة، باب: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة رقم 1370]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت