الصفحة 45 من 54

ستقول: وما هو يا ترى؟ وجوابنا: سأبحر بك في جولةٍ تأمُّليَّةٍ سريعةٍ في مملكة النَّبات وسأتكلَّم بشيءٍ من الإجمال لأنَّ تفاصيل الإعجاز الإلهي في خلق النَّبات بأنواعه وأشكاله المتعدِّدة ليس هذا موضوعنا الآن وإن كان مُهمًّا جدًا في ترسيخه إلا أنَّني أخشى الإطالة لكن قبل أن أطوف بك في قلب الملكة صاحبة الجلالة (الخليَّة النَّباتيَّة) لابدَّ وأن تتخيَّل نفسك وقد ارتديت نظارة ميكروسكوبيَّة لها قدرة على تكبير ما لا تراه العين المجرَّدة ـ ما هو أقل من 0.5 ملم ـ لتراه واضحًا مُجسَّمًا بعد أن تُكبِّره لأكثر من نصف مليون مرَّة وهذا هو مُستوى التَّكبير الذي يخوِّل لنا رؤية عضيَّات الخليَّة الدَّاخليَّة بوضوح وهذا كلام أنت تعرفه جيدا .. فنحن الآن سندخل إلى نوع فريد من عالم الشَّهادة .. هو عالم غيب الشَّهادة!

ستقول: سُبحان الله .. كيف يكون ما نشاهده غيبًا وما يغيب نشهده؟ هل هذا معقول؟

نعم .. بل يمكننا القول بأنَّه شيء عاديّ جدًا لا غرابة ولا عجب فيه البتَّة إذا ما نحن نسبنا الأمر لله خالق الأمر وإلى طلاقة قدرة القادر على كلِّ شيء .. والآن يا عبد الله سنجول سويًّا في العالم الأوَّل (غيب الشَّهادة) تاركين الحديث عن العالم الثَّاني (شهادة الغيب) إلى حين وصولنا بالطواف إلى المجرَّات ..

انظر يا عبد الله إلى تلك الورقة الخضراء الجميلة .. لو أنَّنا اجتزأنا منها جُزءًا صغيرًا جدًا طوله ملم واحد فقط ووضعناه في كفِّك الأيمن وقلنا لك انظر إليها، فإنّك في هذه الحالة إنَّما تنظر إلى عالم الشَّهادة فإذا سألناك: هل تستطيع مهما بلغت حدَّة بصرك أن تصف لنا ممَّا تتكوَّن هذه القطعة وما هي التَّفاصيل الدَّقيقة لهذه المكوِّنات؟

ستقول: بالطَّبع تستحيل الإجابة لأنَّ العين المجرَّدة لا تقوى على ذلك.

ونقول: وهذا هو عالم الغيب لما تُشاهده، وهذا هو معنى غيب الشَّهادة .. أمامنا قطعة صغيرة من ورقة شجر بالكاد نراها لكنَّنا نعجز ونقف مكتوفي الأيدي عند محاولة تخيُّل ما يمكن أن تحويه هذه القطعة من عوالم ومخلوقات تنبض بالحياة والإبداع.

ستتعجَّب: مخلوقات!

ونقول: نعم .. إنَّها دُنيا أخرى .. عالم آخر .. حياة أخرى. والغريب أنَّّها موجودة ومحسوسة وتُسمَّى مجتمعة بالنَّبات .. لكنَّنا لا تراها بأعيننا إذ ليس عدم رؤيتنا للشَّيء دليلًا على عدم وجوده وإلا لأنكرنا وجود الرُّوح بحجَّة أنَّنا لا نراها. فماذا لو تمَّ تقطيع هذه القطعة ذات الطُّول واحد ملم إلى 1000 قطعة أصغر .. في هذه الحالة لن يرى أي إنسان أيًّا من هذه القطع على حدة أبدًا الَّلهم إلا بعد تكبيرها بنظارتك الميكروسكوبيَّة التي افترضنا لبسها مُنذ قليل .. عندئذٍ يكون أمامك 1000 ملِكة مُهيمنة على ملايين الوظائف في النَّبات أو بعبارة أخرى أدق 1000 خليَّة نباتيَّة حيَّة .. فهل تخيَّلت مدى صغر الخليَّة الحيَّة .. تلك التي تقوم بما فيها من بلاستيداتٍ خضراء بعمليَّة البناء الضَّوئيِّ .. تلك التي تُنتج لنا البروتين .. تلك التي تُنتج لنا الصَّبغات .. تلك التي يتكوَّن فيها الغذاء والكساء والدَّواء والشَّراب .. تقوم بما فيها من عوالم بعمليَّات إعجازيَّة مقارنة بصغر أبعادها ودقَّة مُكوِّناتها .. تأمَّل معي يا عبد الله .. خليَّة أصغر من الملم 1000 مرَّة .. خليَّة أصغر من السَّم 10 آلاف مرَّة .. لكأنِّي بهذه الخليَّة في بُعدٍ آخر ودُنيا أخرى .. ! لكن السُّؤال الآن: هل هُناك ما هو أصغر من الخليَّة؟! والإجابة قد لا يُصدِّقها البعض بأنَّ هذه الخليَّة بالنِّسبة لما هو أصغر منها تبدو وكأنَّها مجرَّة عملاقة تَسْبَح فيها النُّجوم .. ! سُبحان الله .. قل سُبحان لله يا عبد الله .. لماذا لا تُسبِّح .. ألا نُسمِعُكَ من أمر الله وخلقه عجبًا؟ ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت