عبد الله: سبحان الله .. سبحان الله .. سبحان الله.
سُبحان الله يا عبد الله .. إلى أيِّ حدٍ يمكن أن تصغر المادَّة أكثر من ذلك؟ لقد قطعنا الملم إلى 1000 قطعة ورأينا قطعة منها تحت الميكروسكوب .. لكنَّنا بعد أن رفعنا الشَّريحة من تحت الميكروسكوب ووضعناها أمام أعيننا لم نر شيئًا .. دقَّقنا النَّظر لم نر شيئًا .. أعدنا التَّدقيق كرَّتين لم نر شيئًا .. كدنا نخلع أعيننا من محاجرها .. لم نر شيئًا .. قُلنا لعلَّها طارت في الهواء لخفَّتها .. أعدنا وضع الشَّريحة تحت الميكروسكوب .. صُعقنا إذ رأينا الخليَّة كما كانت وكأنَّها مملكة عملاقة شاسعة الأقطار .. بها النَّواة متمركزة في وسطها متربِّعة على عرش الخليَّة .. رأينا أشياء كثيرة مختلفة الشَّكل والحجم تَسْبَح حول النَّواة وتدور كدوران القمر حول الأرض وكدوران الأرض حول الشَّمس وكأنَّ النَّواة هي كعبة الخليَّة وتطوف حول سائر مُكوِّناتها في حجٍ وعُمرة لا ينقطعان .. رأينا أشياء لم يخطر ببالنا أن يكون لها وجود .. سُبحان الله .. كيف خُلقت .. كيف تكوَّنت .. كيف تكاثرت .. كيف دقَّ حجمها إلى هذا الحدِّ وكيف تُؤدِّي عملها ببراعةٍ وإتقان في هذا العالم الخفيِّ الذي لا يراه أحد ولا يشعر به أحدٌ من الغافلين عن الله .. هل من شريك لله هُنا؟ .. فهذه بعض صنعة الله .. بعض آثار رحمة الله! سُبحان الله .. أعدنا وضع الشَّريحة أمام العين .. لم نر شيئًا ... { .. فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ - ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} الملك: 3، 4 أيُّ إعجاز هذا؟ شيئ أمام عينيك ولا تراه .. لكن ماذا عن النَّواة .. ترى ممَّا تتركَّب .. وماذا لو تمَّ فرد ما فيها من خلائق جنبًا إلى جنب كم سيكون طولها؟ وهل حينئذٍ يمكنني أن أراها؟ كيف تتفاهم أجزاء هذه الخليَّة مع بعضها البعض؟ هل هُناك ثمَّة لغة فيما بينها؟ وهل يعقل أن تتكلَّم هذه الأشياء؟ لكن لو تكلَّمت فبأيِّ شيءٍ ستتكلَّم؟ نحن لا نرى لأيٍّ منها لسانًا وشفتين .. وهل يمكنها فعلًا تسبيح الله؟ أم أنَّ آيات التَّسبيح كناية عن خضوع الكون لله؟!
أنأ لن أجيبك عن تلك الأسئلة فهذا أمر يطول جدًا [1] ولكنِّي سأمضي قُدُمًا فيما أنا فيه وستعرف الجواب وحدك إن صبرت معنا إلى النِّهاية .. والآن سأرجع بك إلى الماضي السَّحيق .. هُناك وحيث كانت الأرض في مهدها .. كُرة غير محدَّدة المعالم لم يستقرّ لها شأن .. نحن الآن في زمن الخليقة الأوَّل قبل هبوط آدم من الجنَّة بحوالي 5 آلاف مليون سنة على التَّقريب .. حيث لا نرى سوى جبال شاهقة وأعاصير وأمطار وصواعق وأصوات الرَّعد وألسنة البرق .. حيث لم يكن مُلوك ولا رؤساء .. خلق الله الخليَّة من تراب الأرض ومعادنها ومائها الذي يغمرها من كلِّ مكان .. خلقها الله من الهيدروجين والأكسجين والكربون والنَّيتروجين والفوسفور والكالسيوم .. الخ لكن هل بدأ خلق الخليَّة بخلق المادَّة الوراثيَّة لها أولًا ثمَّ قامت بعد خلق الإنزيمات بنسخ وبناء كلِّ أجزاء الخليَّة ثمَّ النَّبات .. أم أنَّ الله جمع مادَّتها وصوَّرها ثمَّ صارت خليَّة بالأمر الإلهي كُنْ؟! أم خلق النَّبات كلَّه جملة واحدة ثمَّ تميَّزت بداخله الخلايا؟ والجواب بمنتهى البساطة والتَّواضع العلميّ والاعتراف بالنَّقص والجهل: الله أعلم. وهذه نقطة تحتاج أن نقف عندها مليًّا لنُسبِّح الله من أجلها وننزِّهه عن كلِّ عيب ونقص من جنس ما يعتري المخلوقين .. سُبحان الله وبحمده، سُبحان الله العظيم. لكن هل خلق الله خليَّة واحدة تلك التي سمَّاها العلماء بالبكتيريا أو الأميبا ثمَّ مرَّت بها مئات الألوف من السِّنين بعدها تحوَّلت من نفسها أو بقدرة الله إلى كائنات
(1) ارجع لكتاب (لماذا لا تسبِّح؟) للمؤلف