قلنا بأنَّ الله عزَّ وجلَّ قد وضع خاتمًا عجيبًا على كلِّ مخلوقاته يتفرَّد من خلاله بأحقيَّته للمُلْك .. ذلك الختم هو الذَّرَّة، وتحديدًا ذرَّة الهيدروجين .. هي ختم عجيب .. في كلَّ جُزء تفتِّش فيه في الشَّمس .. في القمر .. في النُّجوم .. في المجرَّات .. في الإنسان .. في الحيوان .. تجد نفس الختم. وكأنَّها رسالة علنيَّة لكلِّ من يشكّ في ألوهيَّة الله، ولكلِّ من يشكّ أنَّ هناك مخلوقات لغير الله .. ولعلَّه يأتِ باحثٌ ما مغمور ويقول: أفتِّش في هذا النَّبات فيجد خاتم الألوهيَّة، فيقول: لا .. بل في هذا الحيوان فيجد نفس الخاتم .. فيركب البحر ويغوص في أعماقه، ويبحث في مائه .. في أملاحه .. في أسماكه وحيتانه .. في لآلئه وأصدافه .. في طحالبه ومرجانه .. فيجد نفس الخاتم .. فيقول: بل أطير في السَّماء فيُحلِّق في غلافها الجوِّيّ ويبحث في سُحُبها وطيرها وشُهُبِها فيجد نفس الخاتم فيكاد يُجَن أخرجوني خارج الأرض فلعلِّي أجد على القمر هُدَى فيركب صاروخًا ويتَّجه للقمر فيجد براكينًا وحفرًا وصخورًا بها نفس الخاتم وفجأة يصطدم بالقمر نيزكٌ كبير بعد أن قطع مسافات لا علم له بها في ظلمات الكون الفسيح المترامي الأطراف من حوله فيسارع إليه بأجهزته وبعد التَّحليل يجد نفس الخاتم. فيقول: لا إنَّ تلك المجرَّة البعيدة بها خاتمٌ مختلف لأصوِّبنَّ إليها أجهزتي الحسَّاسة التي تستطيع تمييز أطياف العناصر فيجد كلَّ عنصر له طيف وبين طيَّاته نفس الخاتم فينقلب إليه منظاره وتليسكوبه ومطيافه وبصره خاسئًا وهو حسير وعندها لا يجد مفرًا من الإقرار بأنَّ من يملك هذا الخاتم هو الملِك الحقّ هو الملِك الحقّ .. الملِك الذي له بصمة في كلِّ شيء وفي كلِّ مكان قريب أم بعيد دلَّ على أنَّه له سُلطة هُنا وهُناك وله هيمنة هُنا وهُناك وله الملك كلّه ظاهره وباطنه. لذا يقول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كما جاء من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: أَخْنَعُ الأَسْمَاءِ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الأَمْلاَكِ: [1] وعند مُسلم عنه أيضًا - رضي الله عنه - عن النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاَكِ» . زَادَ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ «لاَ مَالِكَ إِلاَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» . قَالَ الأَشْعَثِيُّ قَالَ سُفْيَانُ مِثْلُ شَاهَانْ شَاهْ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ سَأَلْتُ أَبَا عَمْرٍو عَنْ أَخْنَعَ فَقَالَ أَوْضَعَ. [2]
(1) متفق عليه: اللؤلؤ والمرجان، كتاب الآداب، باب: تحريم التسمي بملك الأملاك وبملك الملوك رقم 1385. وأخنع: أي أوضع وأذل وأقبح
(2) صحيح: رواه مسلم، كتاب الآداب، باب: تحريم التسمي بملك الأملاك وبملك الملوك رقم 5734.