أحقيَّته للألوهيَّة بكونه ملِكًا على قطعة أرض هي جُزء [مصر] من كل [الأرض] فهو رغم كذبه لم يكن ذكيًّا في تزييف الحقائق ففضح نفسه وظهر جهله وانجلى لأولي الألباب. فمن يملك الأرض يملك ما فيها هكذا زعم لكن الحقيقة أهو ملك الأرض حقًّا وهل مَلَكَ مصر حقًّا أم أنَّه مُلِّكَ عليها؟ .. ولو سُلَّمنا جدلًا بأنَّه مُلِّكَ مصر وأَّنها تخصُّه اشتراها بطريقةٍ ما فهل يعني هذا أنَّه إله يستحقُّ العبادة؟ قاده جهله الممزوج بالكبر والجحود فأنساه أنَّه قد وُلِدَ من أبٍ وأمٍّ أفيعقل أن يأتي المُلك أولًا بكلِّ ما فيه من مخلوقات ثمَّ يولد إله ذلك المُلك وخالقه بعد؟ إنَّ هذا محال وممتنع أشدَّ الامتناع. ولو قبلنا ألوهيَّة أحد لاستبعدنا فرعون في المقام الأوَّل ولاتَّجه الأمر إلى والديه لأنَّهما على الأقلِّ أسبق منه في الوجود فلمَّا عُلِم أنَّ سائر البشر جاءوا للأرض وهي أرض بكلِّ ما فيها من خلائق {وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} الذَّاريات: 48 فسد القول بألوهيَّة أيّ بشرٍ كان وبمثله يُردُّ على من ... عبد المسيح وجعله إلهًا وربًّا بعد ولادته من بطن إنسيَّة كباقي البشر. وشتَّان بين قول الله {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} البقرة: 29 وبين قول فرعون {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} غافر: 36، 37.
وفرعون حين تبجَّح مع موسى وطلب من هامان أن يبني له صرحًا لعلَّه يطَّلع إلى إله موسى كشف بطلان ألوهيَّته بهذا الأمر لأنَّه عكس مدى جهله بما في السَّماء لأنَّه لو كان إلاهًا لكان من مقتضيات ألوهيَّته ألا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السَّماء، وكشف عن مدى عجزه أن يصعد في السَّماء بقدرته الخارقة التي يجب توفرها في ألوهيَّته المزعومة. أمَّا أن يحتاج لأسباب تصعد به إلى العُلا فهو محض عجز وغباء وقوله {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} غافر: 37 يفضح مدى جهله وعدم حكمته لأنَّه كان يعلم تمام العلم بوجود إله في السَّماء فأثبت لنفسه الجهل ونفي عن نفسه العلم والحكمة ولو عقدنا مقارنة سريعة بين كلام الله الملِك الحقّ وبين كلام مُدَّعي الملك والألوهيَّة سنعي هذا جيدًا
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} آل عمران: 2
{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} آل عمران: 18
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} طه: 8
{إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} طه: 14
قال فرعون
{يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} القصص: 38 انظر يقول: ما علمت
{وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} الأنعام: 73
{عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} الرعد: 9
{إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} فاطر: 38 وغيرها كثير
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} آل عمران: 5
{فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} طه: 7