والمعتقد بألوهيَّة الطَّبيعة وأنَّه يجب وجود قوَّة خفيَّة وراء الطَّبيعة ووراء المادَّة هي التي تُسخِّر تلك الطَّبيعة لتكون خدمًا بأجزائها المختلفة لسائر المكائن النَّباتيَّة التي تطبع من تلك الأجزاء حروفًا وكلمات تُشير إلى نفسها كنباتات، وإلى صانعها بقدر جرمها فإن كان نباتًا مجهريًّا دلَّ على مدى لُطف صانعه وإن كانت شجرة عملاقة دلت على عظمة وقدرة صانعها وإن كانت شجرة مُعمِّرة دلَّت على قِدَم صانعها وهكذا. لأنَّ القائلين بألوهيَّة الطَّبيعة جعلوها وحدة قياس لوجود كلِّ شيء ومعلوم أنَّ وحدة قياس الشَّيء يجب أن تكون ثابتة لا تتغيَّر بتغيُّر الظُّروف والأزمان فإذا عُلم أنَّ الطَّبيعة ليست ثابتة وفي تغيُّر مُستمر بزيادةٍ أو نقصانٍ وتحوُّل وتغيُّر في الشَّكل والكيف والكمِّ عُلم أنَّها لا تصلح وحدة قياس فضلًا عن كونها ترتقي لمنزلة الإله .. ولمَّا كانت ليست وحدة قياس عُلم ضرورة كونها جُزءًا لا يتجزَّأ من المقاس وهذا مُشاهَد فأنت إن أردتَّ أن تحسب وزن شيءٍ ما فهو وزنٌ نسبيٌ يرتبط بجاذبيَّة الأرض وكتلة ذلك الشَّيء، وعندئذٍ تحتاج إلى شيءٍ ثابتٍ تزن به هذا الشَّيء فلتبحث إذن في الطَّبيعة عن شيءٍ ثابت فإن قلت الحديد فهو ليس بثابت بالمرَّة وإن بدا ظاهريًّا في صلابته أنَّه ثابت .. وإن قلت الجاذبيَّة فهي مُتغيَّرة ووزن الشَّيء عند خطِّ الاستواء يختلف عن وزنه عند القطبين بما يزيد عن الكيلو جرام بسبب الطَّرد المركزيِّ وإن قلت نحدِّد ميزانًا ثابتًا قلنا لن تجده لأنَّ الميزان يتركَّب من ذرَّات في حركة دائبة لا تراها فهي يزيد في وزنها ولو كسر من الإلكترون أو ينقص منها كذلك فضلاًّ عن تفاعل سطحه مع الوسط فضلًا عن كون الميزان نفسه لا يتحدَّد وزنه للقياس إلا بمعرفة مقدار جذب الأرض له فلمَّا كانت الأخيرة مُتغيِّرة بحسب الموقع من خطِّ الاستواء عُلم استحالة وجود ميزان قياس مطلق وعلى هذا فقس اعتبارك الميزان بالنِّسبة لأيِّ مُتغيِّرٍ على الأرض. ثمَّ إنَّ الميزان الذي تزن به مُركَّب كلُّه من أجزاء من نفس الطَّبيعة فكيف تكون الطَّبيعة هي المقياس وهي المقاس في الوقت ذاته؟!
مثال آخر: تحديد سُرعة جسم ما يتحرَّك .. لا تجد وحدة قياس ثابتة يُنسب إليها مقدار واتِّجاه حركة هذا الجسم؛ لأنَّك تقيس حركته بالنِّسبة لسيارةٍ ثابتةٍ أو مُتحرِّكة بجوارك والسَّيارة أصلًا ليست ثابتة بل هي مُتحرِّكة مع الأرض بنفس سُرعتها .. تقول نأخذ الشَّمس كمقياس، نقول والشَّمس تتحرَّك حول المجرَّة وتتحرَّك نحو النِّسر الواقع في الوقت ذاته كما أنَّ دوران الأرض حول نفسها سيجعل مُهمَّتك مُستحيلة لأنَّك لن تُواجه الشَّمس طوال اليوم بل سيختفي معيار ومقياس سرعتك (الشَّمس) في الَّليل، والمجرَّة بدورها لها عدَّة حركات حول نفسها وحول مركز المجموعة المحليَّة والتي بدورها تتحرَّك حركات حول نفسها وحول مركزٍ مجهول لعنقود المجرَّات العظيم فضلًا عن كون الأرض تميل عن محورها الإستوائيّ 23.5 درجة والشَّمس بل والمجموعة الشَّمسية كلَّها تميل عن محور دوران المجرَّة والمجرَّة كذلك فإلى أيِّ شيء ستنسب سرعة واتِّجاه ما تريد قياسه .. ؟ لابدَّ لك إذن من شيءٍ ثابتٍ لا يتحرَّك مُطلقًا تنسب إليه الحركة الحقيقيَّة وإلا لكانت حركة ظاهريَّة فقط .. مع العلم بأنَّ كلَّ ما سبق من مُتغيَّرات في الوزن والسُّرعة هو جُزء لا يتجزَّأ من الطَّبيعة لذا وجب التَّسليم بوجود ما وراء الطَّبيعة وعوالم أخرى ثابتة يتحكَّم فيها المطلق الحقيقيَّ وهو الله .. أيضًا كلَّ معايير السُّرعة السَّابقة لابدَّ هُناك ما هو أبعد منها وما يحيط بها فلا يمكنك إذن أن يصحّ قياسك إلا إذا وجدتَّ ما لا يحيط به شيء وما لا يوجد ما هو أبعد منه حتَّى تتأكَّد أنَّك لا تسبح في فلك هذا الشَّيء فتتغيَّر قياساتك فضلًا عن كون ذرَّات الطَّبيعة بلا استثناء هي شواهد على خلق الله لها وأنَّها مربوبةٌ له والدَّليل أنَّ كلَّ ذرَّة فيها مختومة بخاتم الملِك وكأنَّ الطَّبيعة تشهد وتعترف بلسان حالها وعجزها عن التَّحكم في نفسها أو في أيِّ جُزء فيها .. أنا لستُ إلهًا .. أنا لستُ إلهًا.