والطباعة لكلِّ صنوف المخلوقات وكأنَّ الطَّبيعة هي التَّرجمة العمليَّة العينيَّة لكلمة: (كن) فالكون ما هو إلا تجليَّات أسماء الله الحسنى فالله مالك الطَّبيعة بكلِّ ما فيها بما في ذلك الملوك أنفسهم. والذي يملك الأرض هو مالِك لكلِّ ما يُكتب فيها لأنَّ كلَّ حروف الكتابة ملكه على تعدُّد أشكالها وألوانها ونُعيد السُّؤال من يملك الأرض؟
لكن قد يُؤتى ذلك الملِك هديَّة من ملِكٍ آخر عبارة عن عدَّة حروف معدنيَّة فريدة من نوعها ومعدنها فهل يعني هذا عدم ملكيَّته للكُتب المطبوعة بهذه الحروف؟ ما من عاقل سيقول إنَّ الكُتب تصبح مِلكًا للملِك الآخر لكن تظلُّ شبهةٌ ما قائمة: ما دليلك على كون حروف الأرض كلِّها ومعادنها وخاماتها في سائر الأقطار ليس جُزءًا منها مُهدى من إلهٍ آخر إلى إله الأرض؟
ونقول: ومن أين جاء الملك الثَّاني بالمعدن الذي صنع من حروف الهديَّة؟ والجواب: من باطن الأرض أي من نفس الكوكب. إذن فهو لم يأتِ بشيءٍ جديد من اختراعه هو فالمعدن موجود مثله في كلِّ مكان وله نفس التَّركيب والوصف والخواص .. لكن إذا نظرنا في هديَّة إله لإله أتكون الهديَّة من جنس مخلوقات الإله المهدي إليه أم ينبغي لمن ادَّعى الألوهيَّة أن يكون له مخلوقاته الخاصَّة ولبناتها الخاصَّة والمختومة بخاتمه الخاصّ حتَّى يُسمَّى إلاهًا بحق وإلا لو جاء بمثل ما جاء به الإله الأوَّل لكان إمَّا مُقلِّدًا ولم يخلق على غير مثال وإمَّا أنَّه لصٌ سرق حروفًا من مصنوعات الإله الأوَّل وأهداها إليه. وعلى أية حال فهذه صفات نقصٍ لا ينبغي أن يتَّصف بها إله لأن عدم القدرة على الخلق وادعاء ما لا يقدر عليه صفات عجز بيِّن لا يُوصف بها إلا مخلوق فكيف إذن يتبيَّن لنا أن جميع حروف ماكينات النَّباتات والحيوانات لمالكٍ واحدٍ وأنَّها جاءت من مصنعٍ واحدٍ؟ قلنا في مقالٍ سابقٍ إنَّ ذلك يُعرف بختم الملِك على كلِّ ما خرج من مصنعه ذلك الختم أو الخاتم الذي لا يُرى مُنفردًا وهو الذَّرَّة وما صغُر فأينما بحثت عن مُكوِّنات أي مادَّة وجدتَّ الأصل هو ذرَّة الهيدروجين كأساس قابل للزِّيادة والتَّوليف فهو حرفٌ واحدٌ في ذاته يدلُّ على وحدانيَّته كحرف لا ثاني له ولا نظير له في حروف لغات أهل الأرض ومنه يتكوَّن كلُّ الحروف الأخرى من المركبات والعناصر والغازات والتي بدورها يتخلَّق منها الأحياء ويؤول إليها مصير الأموات والجمادات، فدلالة هذا الحرف على كونه واحدًا يعنى أنَّه حرفٌ فريدٌ من نوعه لأنَّ الُّلغة التي تتكوَّن من حرفٍ واحدٍ لا يمكن أن تكون لغة أرضيَّة، كما لا يمكن أن يكون ذلك الحرف قد خلق نفسه لأنَّه لابدَّ أن يُوجد قبل نفسه حتَّى يخلق نفسه، وهذا محال عقلًا فضلًا عن أنَّ كلَّ جُزء فيه يحتاج إلى الدَّوران المستمر وإلا هلك وانشطر فكان ذلك محتاجًا لغيره والمحتاج لا يكون أبدًا إلهًا. فالذي وضع هذا الحرف في كلِّ طابعة نباتيَّة وفي كلِّ خليَّة حيوانيَّة أو إنسيَّة وملأ به أرجاء السَّماوات والأفلاك لابدَّ أنَّه مالِكه وخالقه وأنَّه محيط بكلِّ هذه الحروف وأنَّه أكبر من أكبر مخلوقاته وعلى هذا فقس جميع معادن الأرض التي تتكوَّن من نفس الذَّرَّات هي وما يُصنع منها من حروف في قلب النَّبات وخارجه مِلك لملِكٍ واحد وبناء على هذا تكون دلالة الوحدة الذَّرِّيَّة في كلِّ نسيج وفي كلَّ مركب وفي كلَّ مادَّة وراثيَّة أعمُّ وأشمل وأدقُّ في الوقت ذاته من اعتبار النَّباتات كلٌّ منها حرف .. بل إن من الأفضل اعتبار كلِّ نباتٍ حرف أو لفظ ك (يس) وأنَّه مُكوَّن من حروف أدقّ هي الذَّرَّات لتملأ بها أرجاء كلمة (يس) فتكون الآية ظاهرًا وباطنًا ويكون النَّبات ظاهرًا وباطنًا دلالة على خالقه الأوحد ومالِكه العظيم.