فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 76

ثم توالت الشدائد والمحن على سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقي يكابد الصعاب ويتحمل أذى قومه صابرًا محتسبا لأجل ربّه، لأجل دعوته، لأجل أمته، لا يغريه ترغيب ولا يثنيه ترهيب، فعرف ذلك العام في تاريخ الأمة الإسلامية بعام الحزن.

ولمّا كانت الدنيا أهون على الله من صاحب الشاة الميّتة الشائلة [1] برجلها كما في الحديث زَهّد الله فيها أنبيائه وأصفيائه وخيرته من خلقه، ففي صحيح ابن ماجة للألباني عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله سلى الله عليه وسلم: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ هَيِّنَةً عَلَى صَاحِبِهَا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى صَاحِبِهَا وَلَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا قَطْرَةً أَبَدًا» . وفي حديث عمر رضي الله عنه حين بكى وابتدرت عيناه لمّا رأى الحصير وقد أثر في جنب النبيّ صلى الله عليه وسلم .. فقال له صلى الله عليه وسلم: «مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ» قال: يا نبيّ الله وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله وصفوته وهذه خزانتك. فقال صلى الله عليه وسلم: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَلاَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا» قلت بلى. [2]

قال عزّ وجل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) .} المائدة [3]

وقال سبحانه وتعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49) .} الطور

(1) - الشائلة برجلها: انتفخت فرفعت رجلها وتغيرت حالها ورائحتها، راجع كلمة، (شصا) في: (لسان العرب) لابن منظور.

(2) - حديث طويل رواه الإمام مسلم في صحيحه عن عمر رضي الله عنه في قصة اعتزال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم نساءه وكان ذلك لاحقا في المدينة وقد نزلت أولى آيات سورة {التحريم} موافقة لعمر رضي الله عنه فيما قاله لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

(3) - عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النّبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فأخرج رسول الله رأسه من القبة، فقال لهم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ» سنن البيهقي، سنن الترمذي، مستدرك الحاكم و (حسنّه) الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت