ونقل السيوطي في التدريب عن الحافظ السجري إجماع الفقهاء أن من حلف على صحة ما في البخاري لم يحنث. ونقل عن إمام الحرمين أنه قال: لو حلف بطلاق زوجته أن ما في الصحيحين من كلام النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته بالطلاق.
وقال أبو عمرو ابن الصلاح بعد ذكر الحديث الصحيح المتلقى بالقبول: وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به، خلافًا لقول من نفى ذلك؛ محتجًا بأنه لا يفيد إلا الظن قال: وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويًا، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه هو الصحيح، وقد اختار هذا الإمام القطع بثبوت ما في الصحيحين، لما اتضح له الدليل، ولم يبال بكثرة المخالفين، وكأنه لم يطلع على أقوال السلف والأئمة، وموافقتهم لما رجحه ليتقوى بهم، وقد تعقبه بعض المشايخ من أهل العلم والصلاح، كالنووي وغيره، وظنوا أنه قد انفرد بهذا القول عن الجمهور والمحققين؛ وهم معذورون في ذلك على اجتهادهم، حيث إنه ليس لهم بهذا الباب خبرة تامة، وإنما يرجعون فيه إلى ما يجدونه في كتب أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة كابن الحاجب، والرازي، والغزالي، والباقلاني، والجبائي، وأبي الحسين البصري، ونحوهم.
وقد رد البلقيني على النووي، وذكر أن اختيار ابن الصلاح هو المحكي عن فضلاء أهل المذاهب وأهل الحديث، وعامة السلف. وتعقبه أيضًا ابن حجر بأن كثيرًا من المحققين وافقوا ابن الصلاح. وقد اختار ذلك أيضًا ابن كثير والسيوطي.
وذكر في شرح الكوكب أن أكثر الأصحاب قالوا: إنه يفيد العلم إذا احتف بالقرائن التي تسكن إليها النفس؛ وأن المسلسل بالأئمة الحفاظ يفيد العلم، وهو المذهب، وظاهر كلام الأصحاب، وجزم به ابن أبي موسى في الإرشاد.
قال القاضي في مقدمة المجرد: خبر الواحد يوجب العلم إذا صح سنده، ولم تختلف فيه الرواية، وتلقته الأمة بالقبول، وأصحابنا يطلقون القول فيه، وأنه يوجب العلم وإن لم تتلقه بالقبول، قال: والمذهب على ما حكيت لا غير أهـ.
وقال الشيخ تقي الدين: أكثر أهل الأصول وعامة الفقهاء من الحنابلة والشافعية والحنفية والمالكية قالوا: يفيد العلم، ويقطع بصحته إذا تلقته الأمة بالقبول، أو عملت به، إلا فرقة تبعت أهل الكلام، وذكر أن بعض المحدثين قال: إن فيه ما يوجب العلم اليقيني، كرواية مالك عن نافع عن ابن عمر.
وقد نص مالك على إفادته العلم، وقطع به ابن خويز منداد، وحكاه عن مالك، وهو قول عامة الفقهاء من المالكية ذكره عبدالوهاب.