اقترانه بالقرائن غير اللازمة، كالآمدي والغزالي والرازي وابن الحاجب وغيرهم، حكى ذلك عنهم ابن الهمام وغيره، كما في شروح التحرير.
وقد مثلوا للقرائن المنفصلة بمن أخبر عن عطشه أو مرضه، ورُئيت عليه علامات ذلك ظاهرة، من يبس شفتيه أو تغير لونه، أو حرارة جسمه، أو نحو ذلك مما يقوي صحة خبره.
وكذا لو أخبر بما عليه فيه ضرر، ولكن حملته خشية الله والخوف من عذابه على الإقرار بما فعله لقصد التطهير؛ كمن أخبر بأنه ارتكب ذنبًا يوجب حدًا أو قودًا، وليس هناك ما يلجئه إلى الإقرار، وقد عرفت منه محبته للحياة، ورغد عيشه، وأخبر بذلك طوعًا واختيارًا.
وهكذا من أقر بدين عنده له وقع في النفس، بدون بينة من صاحب الحق، وبدون أن يطلب منه يمين، وبلا تهديد ولا تعزير. وكما لو أقر عند المفتي بطلاق أو عقد، أو بأنه وقع منه خلل في صلاته أو صومه، أو نحو ذلك، وطلب بيان الحكم، فإن المفتي يصدق خبره في كل ذلك، إلى أمثال هذه الصور مما هو كثير. وأنت تعرف أن هذه القرائن تقوي صدق الخبر أيَّا كان نوع المخبر، بدون أن يشترط له ما تقدم من الشروط كالضبط والعدالة. إلخ.
وإذًا فخبر الثقة العدل يفيد العلم في بعض الأمور لبعض الأشخاص، وقد يقصر عن ذلك فيتقوى ببعض القرائن، وقد تحصل القرائن لبعض السامعين دون بعض، كما لو أخبر شخص زيدًا وعمرًا بأن خالدًا قد مات، وكان عمرو قد علمه مريضًا غير ميئوس منه، وزَيْدٌ قد عهده لا بأس به، فإن خبر المخبر يحصل العلم لعمرو دون زيد. [1]
أن خبر الآحاد إذا احتفت به القرائن أفاد العلم القاطع وهذا ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة وجمهور الأمة.
قال الشيخ ابن باز - رحمه الله-: والصواب أن الآحاد يفيد اليقين إذا تواترت القرائن من جهة كثرة الطرق أو من جهة صفات الذين رووا، فإن الرواة يختلفون: فإذا كان مثلًا ورد من طريقين أو أكثر لأئمة أفاد اليقين، كأن ورد مثلًا من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي قال كذا، والطريق الثاني مثلًا عن الإمام أحمد عن الشافعي مثلًا عن أحد مشايخ الشافعي الثقات عن الزهري عن أنس
(1) أخبار الآحاد في الحديث النبوي لابن جبرين ص 58