الفصل الثاني
بيان نشأة مصطلحي المتواتر والآحاد
أولًا: من المسلم به عند العلماء - على اختلاف تخصصاتهم- أن تقسيم الحديث وفق طرقه إلى متواتر وآحاد لم يكن معروفًا في زمن الصحابة رضي الله عنهم. ومن المتيقن - أيضًا _ أنهم كانوا ينزلون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة واحدة من حيث القبول والعمل، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمعهم كلما أراد أن يحدثهم عن ربهم مع علمه وعلمهم بكثرة المنافقين والكذابين وكثرة خصومهم - في حياة النبي صلى الله عليه وسلم - وبعد موته، وكان كل واحد منهم يحدث بما بلغه عن رسول الله - قولا وعملا -و يحدث به مَنْ لم يحضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤيد هذا قول البراء بن عازب رضي الله عنهما:"ليس كلنا كان يسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت لنا ضياع وأشغال، ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ فيحدث الشاهد الغائب" [1]
و مثله قول أنس رضي الله عنه"والله ما كل ما نحدثكم عن رسول الله سمعناه منه، ولكن لم يكن يكذب بعضنا بعضًا" [2]
و لم ينقل عن أحد من الصحابة حرف واحد في أنهم طلبوا التحري في حديث بعضهم لشبهة عرضت لهم فيه، لكن للتثبت وزيادة الاحتياط.
و استمر الأمر كذلك إلى نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني، فكان ذلك بمنزلة الإجماع منهم.
قال الإمام ابن القيم (ت 751 هـ) :"فهذا لا يشكك فيه من له خبرة بالمنقول، فإن الصحابة هم الذين رووا هذه الأحاديث وو تلقاها بعضهم عن بعض بالقبول ولم ينكرها أحد منهم على من رواها، ثم تلقاها عنهم جميع التابعين من أولهم إلى آخرهم، ومن سمعها منهم تلقاها بالقبول والتصديق لهم، ومن لم يسمعها منهم تلقاها عن التابعين كذلك تابع التابعين مع التابعين، وهذا أمر يعلمه ضرورة أهل الحديث كما يعلمون عدالة الصحابة وصدقهم ونقلهم ذلك عن نبيهم"وقال الإمام أبو محمد بن حزم (ت 457 هـ) "إن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن"
(1) أخرجه الطبراني في الكبير , وقال الهيثمي"رجاله رجال الصحيح"وأخرجه أحمد 4/ 283 , والحاكم في المستدرك 1/ 95, وصححه ووافقه الذهبي
(2) مجمع الزوائد 1/ 153