فيقال: لا شك أنه بعثهم إلى أناس لم يعرفوا شيئًا من الدين في الأغلب، وقد كان تعليمهم من موجب الرسالة، فاكتفى صلى الله عليه وسلم ببعث أولئك الآحاد الذين بلغوهم ما يلزمهم في الإسلام من عبادات ومعاملات، فمن خص تعليهم بنوع منها فقد كذب الواقع المحسوس.
ثم لو قدر أنه بعثهم لقبض الزكاة ونحوها، وكان خبر الواحد، لا يقبل، لم يلزم المبعوث إليهم تسليمهم الزكاة، ولا قبول فتواهم وحكمهم، لكونهم بلغوا أصول الدين وهم آحاد.
3 -قالوا: يمكن أن يكون بعث الواحد لينضم إلى من سبقه في ما يبلغه، حتى يبلغ حد التواتر الذي يفيد العلم.
فيقال: وهذا التخصيص مما لا دليل عليه أيضًا، فإن أهل تلك الجهات تقبلوا منهم ما بلغوه، وطبقوه لأول مرة، فلم ينقل أن أحدًا منهم توقف حتى يتواتر الخبر، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم مبادرتهم إلى العمل بأول خبر.
ولم ينقل أنه بعث إلى كل جهة أكثر من واحد، إلا في القليل النادر، فإن سعة البلاد، وبعد المسافات، وقصر زمن النبوة منذ قوي الإسلام، وكون المبعوثين معروفي الأسماء والجهات، مما يؤكد أنه لم يكن أهل جهة من تلك الجهات النائية وصلت إليهم تفاصيل الشريعة وأدلة الأحكام بطريق التواتر في تلك السنوات القليلة. [1]
وأجمع الصحابة رضي الله عنهم على قبول خبر الواحد والاحتجاج به، ولم ينقل أن أحدًا منهم قال: إن هذا خبر واحد يمكن عليه الخطأ فلا تقوم به الحجة حتى يتواتر، ولو قال أحد منهم ذلك لنقل إلينا، وقد نقلت عنهم في هذا الباب آثار لا تحصى منها:
ما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال:"بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة"، ولولا حصول العلم لهم بخبر الواحد، لما تركوا المعلوم المقطوع به عندهم لخبر لا يفيد العلم ولا تقوم به الحجة.
(1) أخبار الآحاد في الحديث النبوي لابن جبرين ص 127