فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 104

ثم إذا سلمنا ما تصوره من زيادة العلم بزيادة المخبرين، لم نسلم عدم التفاوت في نفس العلم، فإن العلم بالشيء على الصحيح يتفاوت في الكم والكيف والقوة، ولذلك فرق بين علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، كما فُرق بين العلم الضروري والنظري، مما سوغ التفريق بين العلم الحاصل عن المتواتر والآحاد، وشاهد ذلك العقل والفطرة السليمة.

11 -ومنها قولهم: إن الإجماع منعقد على عدم تكفير مخالف خبر الواحد وتفسيقه، وما ذاك إلا لأنه لا يفيد العلم، فليس كالمتواتر الذي يكفر ويبدع من رده بدون تأويل.

فيُقال: نحن قد ذكرنا أن العلم بالخبر متفاوت بحسب معلومات من وصل إليهم، وأن من السامعين من يقطع بكذب بعض الأخبار، اعتقادًا لخطأ الناقل أو كذبه، أو يراها مخالفة لما يعرفه ويفهمه من ظواهر النصوص، وهو مخطئ في نفس الأمر، ولكنه معذور لاجتهاده.

ومنهم من يصدق بالخبر ولكن لا يرى دلالته ظاهرة.

وعلى هذا فيجب علينا أن نحسن الظن بمن رأيناه قد خالف بعض الأخبار الصحيحة، فنحمل ذلك على أن الخبر لم يصل إليه، أو لم يصح عنده، أو رأى له محملًا أو تأويلًا دفعه به، أو نحو ذلك.

وعلى هذا يحمل ما روي عن بعض الصحابة من رد بعض الأخبار التي ثبتت عند المحدثين لا على أنها لا تفيد العلم.

فأما إذا تحققنا ثبوت الحديث عند شخص، وعدم ما يسوغ له رده، ثم رأيناه بعد ذلك لم يقبله، أو ترك العمل به بدون عذر أو تأويل، فإننا -بعد إقامة الحجة عليه وإبائه- نلتزم تبديعه وتفسيقه بذلك.

وقد اشتهر عن الأئمة رجوعهم إلى الأحاديث متى صحت عندهم، ونبذهم لما سواها، مما كانوا يقولون به أو يرونه قبل ذلك، وهكذا اشتد نكيرهم على من خالفها بدون تأويله إلى غيرها من الآراء وأقوال الرجال.

وما ذاك إلا لثبوتها عندهم وإفادتها العلم اليقيني والله أعلم. ا. هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت