فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 104

فهذا نص على أن الصحابة رضي الله عنهم قبلوا خبر الواحد في نسخ ما كان مقطوعًا عندهم من وجوب استقبال بيت المقدس، فتركوا ذلك واستقبلوا الكعبة لخبره، فلولا أنه حجة عندهم ما خالفوا به المقطوع عندهم من القبلة الأولى. قال ابن القيم:

"ولم ينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل شكروا على ذلك" [1]

5 -ما تواترت به الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعثه الدعاة إلى أطراف البلاد، وعهده إليهم تبليغ جميع الدين أصولًا وفروعًا، مع البداءة بالتوحيد كما في حديث معاذ المتفق عليه، لما بعثه إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) وفي رواية: (-إلى أن يوحدوا الله- فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) .

فانظر كيف أمره بتقديم الدعوة إلى التوحيد، ثم بأركان الإسلام، ولم ينقل أن أحدًا من أولئك الرسل اقتصر على تبليغ الفروع، أو الأعمال الظاهرة. بل كانوا يدعون إلى الإيمان بالله وثوابه وعقابه، والشهادة لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة. وهكذا بلغوا عنه أيضًا العبادات الظاهرة المعلومة من الدين بالضرورة، كالصلاة والزكاة، وكذا المحرمات المجمع على تحريمها كالزنا وقتل النفس، وكل ذلك مما تقبله عنهم من استجاب لدعوتهم، وبقي معتقدًا لما تلقاه من أصول أو فروع، وقامت عليه الحجة بذلك، وهو دليل القبول.

وقد اعترض على هذا الدليل من قبل المنكرين بأن بعث أولئك الرسل لم يكن لتعليم الأصول، وإنما هو لإخبارهم بالأدلة العقلية، والآيات الكونية التي يعرفونها بفطرهم.

فيقال: هذا ليس بشيء، فإن ما يعرفونه بعقولهم لا يكفي لقيام الحجة عليهم، وإلا لم يكن هناك حاجة لبعث الرسل.

ويرد ذلك التصريح بتقديم الدعوة إلى التوحيد، كما في حديث معاذ المذكور، ولم ينقل أن أحدًا من أولئك الصحابة بدأ بتعريف الدلائل العقلية، قبل الدعوة إلى الشهادتين. [2]

(1) الحديث حجة بنفسه للألباني ص 53

(2) أخبار الآحاد في الحديث النبوي لابن جبرين ص 97

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت