أهميَّة تراث الكندي ومنهجه التاريخي:
يُعتَبر الأثَر الذي بَقِيَ لنا من أعمال الكندي هو"كتاب الولاة وكتاب القضاة"، وهو صورة من أبرع صُوَرِ التاريخ المحلِّي، وكذلك فكتاب الكندي له أهميَّة خاصَّة في تاريخ التنظيم الإداري، وبه سجلٌّ حافل لتاريخ الولاة وللقضاة الذين تولَّوْا تلك المناصب الإدارية في مصر في الفترة التي تحدَّث عنها المؤرِّخ، ومن هنا فإنَّ أهميَّة الكتاب تكمُن في أنَّه يصلُ تاريخ مصر بحلقةٍ منفردة، لولاها لبقيَتْ ثغرة يَصعُب سَدُّها [1] .
ويمضي"كتاب الولاة"بتاريخ مصر الإداري إلى أوائل القرن الرابع الهجري، وكيف يُقدِّم"كتاب القضاة"عن نُظُمِ القضاء الإسلامي وسيره إلى منتصف القرن الثالث صورًا وتفاصيل مهمَّة لم تأت بها رواية ابن عبدالحكم، وتراث الكندي يَكاد ينفرد بإلقاء الضوء على تاريخ مصر خِلال القرن الثالث، ولا سيَّما في العصر الذي أدرَكَه الكندي حتى قيام الدولة الإخْشيديَّة [2] .
وقد لبث تُراث الكندي إلى جانب تُراث ابن عبدالحكم على مرِّ العصور مُستَقًى خصبًا لمؤرِّخي مصر الإسلاميَّة، وكان مؤلفه عن القضاء بالأخصِّ نواةً لمجهودٍ خاصٍّ في هذا الميدان اضطلع به جماعةٌ من أعلام المؤرخين المصريين مثل ابن زولاق، وابن حجر، والسخاوي، وهو مجهودٌ يُلقِي إلى جانب مجهود الكندي كثيرًا من الضوء على تاريخ القضاء الإسلامي في العصور الوسطى [3] .
كما يُعتَبر"تاريخ الولاة"بمثابة تاريخٍ حولي، رتَّبَه المؤلِّف ترتيبًا تاريخيًّا زمنيًّا طبقًا لتسلسُل الولاة الذين تولَّوْا حكم مصر، مع ذِكر الحوادث التي وقعَتْ في عهد كلٍّ منهم، وسنة الولاية والعزل والوفاة [4] .
(1) د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 535.
(2) د. محمد عبدالله عنان، مؤرخو مصر الإسلامية، ص 33.
(3) د. محمد عبدالله عنان، مؤرخو مصر الإسلامية، ص 33، انظر: د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 535.
(4) د. فتحية النبراوي، علم التاريخ، ص 180، انظر: د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 535.