خرج إلى العراق فمكث هناك سنينًا ثم رجع إلى الشام، فأدخَلَه أبو علي إلى الإخْشيد بدمشق وعرف به، ووصفه له، فقال له الإخْشيد: أبوك الأبرص، قال: نعم، فقال له: لِمَن تتفقَّه، قال: للشافعي، فقال له الإخْشيد: أيش معنى قول المزني:"اختصرت هذا من قول الشافعي، ومن معنى قوله"؟ فأجاب أبو جعفر، وكانت هذه صنعته فأحسن الجواب، واستحسن الإخْشيد الجواب فولاَّه مظالم سواحل مصر [1] .
وقد سار خُلَفاءُ الإخْشيد على نهجه في تشجيع العلماء والأدباء ومجالستهم، فكان أنوجور ابن الإخْشيد يجالس سيبويه المصري ويُنادِمه [2] ، وقال أنوجور له:"يا أبا بكر، أي شيء تحبُّ؟ فقال: أحبُّ ناعِم الكساء، وليِّن الوطاء، وطيب الغذاء، ورفيع الحلوى آمرًا غير مأمور وغير مقهور، يعرف حقِّي الرفعا، ولا يدنو منه الوضعا، معافًى في جسمي، طويلًا عمري، مغفورًا ذنبي، مرغوبًا لا مرهوبًا منِّي" [3] .
وقد أمر علي بن الإخْشيد الحسن بن زولاق [4] بأنْ يكتب كتابًا يتناوَل فيه سِيرة أبيه محمد بن طغج الإخْشيد، فكتب كتابًا سماه"العيون الدعج"، وللحسن بن زولاق عدَّة مؤلَّفات أخرى منها"سيرة كافور الإخْشيدي" [5] .
(1) ابن سعيد، المغرب في حلى المغرب، ص 181، وانظر: د. سيدة إسماعيل كاشف، مصر في عصر الإخشيديين، ص 303، د. حمدي عبدالمنعم، محاضرات في تاريخ مصر الإسلامية، ص 349.
(2) الحسن بن زولاق، أخبار سيبويه المصري، ص 18، 36، انظر: د. سيدة كاشف، مصر في عصر الإخشيديين، ص 303.
(3) الحسن بن زولاق، أخبار سيبويه المصري، ص 57.
(4) هو أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن زولاق الليثي المصري، ولد بفسطاط مصر في شعبان سنة 306 هـ (1919 م - 919 هـ) ، وتوفي في الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة 387 هـ (997 م) ، نشَأ في مهد العلم والدرس، فكان جدُّه الحسن بن علي من مَشاهِير العلماء، ودرس الفقه على أبي بكر بن الحداد، ودرس الرواية التاريخيَّة على أبي عمر الكندي، وللأسَف لم يصلنا من تراثه إلا كتاب أخبار سيبويه المصري رغم أنَّه كان من أشهر مُؤرِّخي الدولة الإخشيدية، انظر: ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 1، ص 167، د. محمد عبدالله عنان، مؤرخو مصر الإسلامية، ص 34 - 35، الهيئة المصرية العامة للكتاب، (1999 م) .
(5) د. علي إبراهيم حسن، استخدام المصادر وطرق البحث في التاريخ الإسلامي، ص 140، 141، مكتبة النهضة بالقاهرة، ط 21، (1987) .