الشريف، فاستنبَطُوا منه الأحكام التي أصبحَتْ بعد ذلك علمًا يُسمَّى"الفقه بفروعه المشهورة؛ كعلم النظر والمناظرة والجدل والفرائض والشروط والقضاء والتشريع والفتاوى ونحوها [1] ."
يقول ابن خلدون:"... الفقه معرفة أحكام الله - تعالى - في أفعال المكلَّفين بالوجوب بالندب والكراهة والإباحة، وهي مُستَقاة من الكتاب والسنَّة وما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلَّة، فإذا استُخرِجت الأحكام من تلك الأدلَّة قِيل لها: فقه ..." [2] .
وقد اعتمد المسلمون على القُرآن الكريم وعلى السنَّة النبويَّة؛ فقد كان التشريع على عهد الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقومُ على الوحي، وكان الوحي وحدَه هو مصدَر التشريع وكانت الآيات التشريعيَّة تنزل على الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - جوابًا لحوادث في المجتمع الإسلامي، فقد كان المتخاصِمُون يتحاكَمون إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فتنزل الآية أو الآيات ناطقةً بالحكم [3] ، ومن هذه الآيات التي وردَتْ في القرآن الكريم عَقِبَ أسئلة صدَرتْ من المؤمنين ما جاء في سورة البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [البقرة: 219 - 220] ، وهذا يعني أنَّ القُرآن الكريم قد جاء بالأحكام الكليَّة التشريعيَّة التي كان لها أكبر الأثَر في تنظيم المجتمع الإسلامي [4] .
وكانت السنَّة إلى جانب القُرآن الكريم شارحةً له، ومبيِّنة لإجماله، فكلُّ ما قاله الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - أو فعَلَه أو حدَّث به يعدُّ تشريعًا، وكانت منزلة السنَّة النبويَّة من منزلة القُرآن الكريم [5] .
وكان هناك أيضًا إلى جانب القُرآن والسنَّة ما سُمِّي بالقياس أو الاجتهاد، وهو ما عُرِفَ بعد ذلك بـ"الرأي" [6] ، وكذلك كان هناك مصدرٌ آخَر من مصادر الفقه
(1) جورجي زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية، ج 2، ص 13.
(2) ابن خلدون، المقدمة، الفصل السابع، ص 563.
(3) د. صفي علي محمد، مصدر سابق، ص 193، 194.
(4) د. صفي علي محمد، مصدر سابق، ص 195.
(5) د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 195.
(6) المصدر نفسه، نفس الصفحة.