وكان سيبويه من تلاميذ أبي بكر محمد بن أحمد بن الحداد فقيه مصر، وقد وصل إلى درجة عالية ومكانة رفيعة في الأدب، وتمتَّع بفكاهةٍ في المنادمة أنَّ جالس أنوجور بن الإخْشيد والحسين بن محمد الماذرائي [1] ، وكان يقول بالاعتزال، فقد قال لأستاذه ابن الحداد ذاتَ يومٍ: أيَّدك الله امتنعت من القول بخلق القرآن، وجعلت الخالق عدَد آي المصحف! وبدا كأنَّ ابن الحداد لم يفهم ما أراد سبيويه فقال: كيف قلت يا أبا بكر؟ فقال: نعم! إذا لم تقل أنَّه مخلوق فهو خالق، فقال له أبو بكر بن الحداد: لا تُدخِلني فيما لا أعرف [2] .
وقيل: إنَّ سيبويه رأى الناس يومَ الجمعة، قد اجتمعوا في الطرقات، فصاح: ما هذه الأشباح الواقفة والتماثيل العاكفة؟ سلط عليهم قاصفة، يوم ترجف الراجفة، تَتْبعها الرادفة، وتغلي قلوبهم واجفة! فقال له رجلٌ: هو الإخْشيد ينزل إلى الصلاة، فقال: هذه للأصلع البطين، المسمن البدين، قطع الله منه الوتين [3] ، ولا سلك به ذات اليمين! أمَا كان يكفيه صاحب ولا صاحبان، ولا حاجب وحاجبان، ولا تابع ولا تابعان، لا قَبِلَ الله له صلاة، ولا قرَّب له زكاة، وعمر بجيشه الفلاة [4] .
وقد ذكَر الحسن بن زولاق في كتابه"أخبار سيبويه المصري"كثيرًا من مثل هذه المقولات، فقد امتاز سيبويه بنثر غني بالسجع، وكان له شعرٌ سهل، ولكنه فقير إلى الصور الشعرية العالية [5] ، ومن ذلك قوله:
وَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ مَا زَادَتْ فَوَاضِلُهُ = عَلَى نَوَاقِصِهِ تَخْتَرْ بِقِسْطَاسِ
وَاقْصِدْ إِلَى العِلْمِ لاَ تَطْلُبْ بِهِ بَدَلًا = فَالْعِلْمُ مِنْ أَجْلِهِ كُوِّنْتَ فِي النَّاسِ
(1) د. سيدة إسماعيل كاشف، مصر في عصر الإخشيديين، ص 329.
(2) الحسن بن زولاق، أخبار سيبويه المصري، ص 19.
(3) الوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه، انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة (و ت ن) .
(4) الحسن بن زولاق، مصدر سابق، ص 28.
(5) د. سيدة إسماعيل كاشف، مرجع سابق، ص 321، د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط منذ الفتح إلى نهاية الدولة الإخشيدية، ص 432.