فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 138

وخلاصة القول:

إن إدراك الجمال يسير عبر طريق واحد، إنه يبدأ من الظاهر ثم يتابع طريقه إلى الباطن أو ما وراء الظاهر.

وليس هناك ظاهر وحده، وليس هناك باطن وحده. فاللوحة فيها الخط واللون وتوزيع المسافات .. والظلال .. ولكن تلك هي النظرة الأولية التي لا بد من استشفاف ما خلفها.

والمعنى - أي معنى - إنما يبدو من خلال «ظاهر» ، فالكرم يعرف من خلال العطاء، والحلم يعرف من خلال التصرف حين الغضب .. والإيمان من خلال المواقف ..

فالإحساس بالجمال يبدأ الطريق من الظاهر ثم يتابع إلى ما وراء ذلك ولكن الكثير من الناس يلهيهم الوقوف عند بداية الطريق.

وقد أكد القرآن على ضرورة إتمام المسير. والانتقال من الصنعة إلى الصانع ومن المشاهد إلى غير المشاهد .. تلك هي السبيل في الوصول إلى تذوق جمالي سليم.

التذوق الفني ليس أكثر من نوع من أنواع التذوق الجمالي، فما الفن إلا الجمال مجسدًا في موضوع ..

ذلك هو المفهوم الإسلامي.

ولكن حينما سار الفن الحديث في اتجاه مغاير لاتجاه الجمال، ثم قطع صلته به بعد ذلك نهائيًا، ظهرت قضية التذوق الفني.

إنه إدراك لعلاقات فنية، قد تكون جميلة، وقد تكون قبيحة، إنه محاولة لتفسير تلك المعميات التي ينتجها بعض الفنانين، إنه تعرف على لغة كل فنان ومحاولة فهم إنتاجه.

وبناء على هذا فإن «عملية التذوق الفني يمكن اعتبارها اتصالًا أو ملاءمة بين طرفين: الطرف الأول هو الفنان ممثلًا في أعماله الفنية، والطرف الثاني هو المستمع الذي ينظر إلى هذه الأعمال ويحاول أن يستمتع بها» [1] .

وإذا كنا وفق المفهوم الحديث، قد أعطينا للفنان ملء الحرية في تقديم ما يريد، حتى ولو كان ما يقدمه كومة من أقذار [2] ، فإن على المشاهد أن يجري في لهاث متتابع يحاول فهم وتذوق هذه الأعمال التي قد تكون نوعًا من العبث أو العبث ذاته.

فالتذوق الفني، لا رصيد له في النفس الإنسانية، كرصيد التذوق الجمالي الذي يستند إلى الفطرة، ولذا كان بحاجة إلى دربة طويلة المدى يدرس المستمتع من خلالها المدارس الفنية، والتشعبات الناشئة عنها،

(1) ... التذوق الفني. تأليف د. حمدي خميس ص 15.

(2) ... انظر كتابنا (الفن الإسلامي التزام وإبداع) الفصل الأول من الباب الثالث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت