فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 138

درس في الحس الجمالي

كان السرادق مجهزًا بكل وسائل الراحة والزينة، فالأثاث الجميل والرياش والطنافس تحف به .. من كل جوانبه.

وهناك في صدر المجلس، جلس القائد على سرير مرتفع .. والناس بين يديه واقفون تعظيمًا وتبجيلًا.

كل ما في المكان يؤكد تقسيم الناس إلى طبقات، وتحصل كل طبقة على الرفاهية بما يتناسب مع مكانتها .. كان ذلك واضحًا من اللباس الذي يرتديه كل فريق .. ومن سحن الوجوه وأشكالها.

كان بعضهم أربابًا .. وبعضهم عبيدًا.

ودخل السرادق، غير مكترث بشيء .. لم يأخذه لمعان الحرير، ولا بريق الوشي الذهبي، ولم ترهبه تلك الهيبة المصطنعة .. ولم يبال بما حشد في ممره من مؤثرات نفسية .. من رجال وعتاد ..

كان سيفه، على جنبه، ملفوفًا بخرقة، وكان رمحه في يده، يتوكأ عليه وهو في طريقه إلى صدر المجلس ... كثيرة هي تلك الوسائد والطنافس التي حظيت بمداعبة الرمح لها .. فأحدث فيها فتحات تتنفس منها الصعداء .. كان حريصًا على أن يمهر كل تلك الأشياء بخاتم رمحه .. علَّها تستيقظ من سباتها فتستنكر وجودها في غير مكانها ..

كانت الدهشة على وجوه الجميع ...

يا له من أعرابي لا يعرف للأشياء قيمتها، ولا يعرف الجمال إلى نفسه سبيلًا، ولا يقيم للذوق والأعراف وزنًا. ولو عرف نفاسة تلك الأشياء لكان أكثر تقديرًا لها ولترفق بها فلم يلمسها بيده فضلًا عن أن يمزقها برمحه ..

كان كل واحد من القوم يحدث نفسه بهذا الحديث .. وكان ينتهي إلى تلك النتيجة .. إنها فساد الذوق لدى هذا الأعرابي!!

ذلك جانب من مشهد ربعي بن عامر - سفير المسلمين - في سرادق الفرس قبل بدء معركة القادسية ..

هل كان ربعي لا يدري القيم الجمالية .. فكان تصرفه تصرف من حرم الحس الجمالي؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت